آل عمران · الآية 66

﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

«هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ»: المُخاطَبونَ يَحضُرونَ واقِفينَ أمامَ فِعلِهم

تَفتحُ «ها» مقامَ التنبيه، ثمّ يأتي ضميرُ الخطابِ «أنتم» واسمُ الإشارةِ «هؤلاء»، وهذا التراكبُ يُحضرُ المخاطبينَ كما هم أمامَ السامع ويُهيّئهم لما سيُسندُ إليهم. وفي الجمعِ بينَ الضميرِ والإشارةِ توكيدٌ للحضور، والمعنى: أنتم هؤلاءِ الذين يقعُ الكلامُ على فعلهم. ولذلك تَنتقلُ الآيةُ من نداءِ «أهل الكتاب» إلى مواجهةٍ تجعلُ المخاطبَ واقفاً داخلَ السؤال.

«حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ»: مُحاجّةٌ داخِلَ حَدٍّ مَعلوم

وتَذكُرُ الجُملةُ أوّلاً فِعلاً ماضياً: «حاججتم». والمُحاجّةُ من ح-ج-ج، وأصلُه احتِواءٌ يَضيقُ ثمّ يَبرُزُ في حُجّة، وتَكرارُ الجيمِ يُضاعِفُ جَمعَها ومُقابَلتَها بحُجّة، وصيغةُ المُفاعَلةِ تُجري الفِعلَ بينَ طَرَفَين. على أنّ الآيةَ لا تَرفُضُ كلَّ مُحاجّةٍ بإطلاق، وقد ذَكَرَت مَجالاً «لكم به علم»، فاللامُ تُثبِتُ لهم حِيازةَ صِلة، والباءُ تَربِطُ العِلمَ بالمَوضوع. وفي هذا المَجالِ كانَ للفِعلِ حَدٌّ يَستَنِدُ إليه، فالمَجالُ نَفسُه هو الذي أعطى الحُجّةَ مَحمِلَها.

«فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ»: من الإقرارِ إلى إنكارِ ما تَجاوَزَ الحَدّ

وتَأتي الفاءُ فتَبني السُّؤالَ الثاني على الإقرارِ الأوّل، و«لِمَ» تَطلُبُ مُسوِّغَ الفِعل، والفِعلُ هذه المرّةَ مُضارِعٌ يَعرِضُ المُحاجّةَ وهي تَجري. ويَتَكرَّرُ التَّركيبُ «فيما لكم به علم» بعدَ قَلبِه بالنَّفي: «فيما ليس لكم به علم»، وبهذا التَّناظُرِ يَختَلِفُ المِعيارُ، وهو وُجودُ العِلمِ أو غِيابُه، ويَبقى الفِعلُ وأداةُ صِلتِه على حالِهما. فمَوضِعُ الإنكارِ تَجاوُزُ الحُجّةِ للحَدِّ الذي يُمكِنُ أن يَحمِلَها، وليس الكَلامَ ذاتَه.

«وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»: مُقابَلةٌ تُغلِقُ ادِّعاءَ الإحاطة

والواوُ تَخرجُ من السؤالِ إلى جملتينِ متقابلتين. والعِلمُ من ع-ل-م، ومادّتُه ظُهورٌ من العُمقِ يَتَعَلَّقُ بمَعلومِه ثمّ تَضُمُّه الميمُ في علامةٍ مَمسوكة، وقد وَرَدَ في الآيةِ ثَلاثَ مَرّات: مَرَّتَينِ اسماً مُنَكَّراً، ومَرّةً فِعلاً مُسنَداً إلى اسمِ الله. فحينَ يُقالُ «لكم به عِلم» تُثبِتُ اللامُ حِيازتَهم وتَربِطُ الباءُ العِلمَ بما يَتَعَلَّقُ به، فيَتِمُّ للعِلمِ مَحَلٌّ يَحمِلُه. وأمّا في الخِتامِ فيَجيءُ «يَعلَمُ» مُطلَقاً بلا صِلةٍ تَحُدُّه، ويَجيءُ «لا تَعلَمون» مَقصوراً على المَجالِ الذي دَخَلوه بعدَ مَجالٍ أَثبَتَت لهم الآيةُ عِلماً به. فالمُقابَلةُ بينَ ظُهورٍ لا يَحتاجُ إلى مَحَلٍّ يَحمِلُه وظُهورٍ لا يَقومُ إلّا بمَحَلِّه.


حَصيلة

تُحضِرُ الآيةُ المُخاطَبينَ بضميرِهم وإشارتِهم، ثمّ تَقسِمُ المُحاجّةَ بحسبِ مِعيارٍ واحد: ثَمّةَ مَجالٌ لهم به عِلم، ومَجالٌ ليس لهم به عِلم. ويَكشِفُ التَّناظُرُ أنّ المُشكِلةَ واقِعةٌ في امتِدادِ الحُجّةِ خارجَ ما يَحمِلُها، وليست في صِيغتِها وحدَها. ثمّ تَرجِعُ الخاتِمةُ إلى الضَّميرِ نَفسِه فتَنفي عِلمَه في ذلك المَجال، وتُقابِلُه بعِلمِ الله المُثبَت، فالعَقلُ الذي طُلِبَ قبلَها يَبدأُ بمعرفةِ حَدِّ ما يُعلَم.