العاديات · الآية 2

﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا

«فـ»: التَّتابُعُ الذي يُحَوِّلُ الصَّوتَ ضَوءاً

والفاءُ في العَرَبِيّةِ حَرفُ تَعقيبٍ بِلا مُهلة، يَأتي ما بَعدَها مُتَّصِلاً بِما قَبلَها بِلا فاصِل، و«فالمُورِيات» تَأتي مُباشَرةً بَعدَ «العادِيات»، فالصّورةُ تَكبُرُ على الفَور: نَفَسٌ ثُمَّ شَرَر. ولا يُمنَحُ القارِئُ وَقتاً لِيَتَخَيَّلَ بَينَهُما، فهُما حَدَثٌ واحِدٌ يَنكَشِفُ في طَبَقَتَين.

ولِهذا أوثِرَتِ الفاءُ على الواو، فالواوُ تَعطِفُ بِلا تَرتيبٍ زَمَنِيّ، والفاءُ مَعناها: ثُمَّ مُباشَرةً. والجَريُ مُستَمِرّ، وفي خِضَمِّه يَخرُجُ من الحَجَرِ ضَوء، والخَيلُ تُورِي النّارَ وهي تَجري، بِفِعلِ الجَريِ نَفسِه، دونَ أن تَتَوَقَّفَ لِذلك، والفِعلُ يُوَلِّدُ النّور.

«المُورِيات»: الذي يُخرِجُ النارَ مِنَ الحَجَر

وأصلُ (و ر ي) الإخراجُ من سَتر، ومِنه «وارَى» بِمَعنى سَتَر، و«المَوارِيَة» لِما يَستُر، ومن العَجَبِ أن جاءَ من الجِذرِ نَفسِه «أَورى» بِمَعنى استَخرَجَ ما كانَ مَستوراً، فالنّارُ كانَت كامِنةً في الحَجَر، والقَدحُ كَشَفَها. والكَلِمةُ نَفسُها تَحمِلُ السَّترَ والكَشفَ مَعاً، فهي تَصِفُ ما يُخرِجُ المُختَفي إلى الظُّهور.

والحَوافِرُ في الجَريِ السَّريعِ تَفعَلُ ذلك بِالحَصى، فتَكشِفُ ما كانَ كامِناً فيه، والنّارُ في الحَجَرِ مُمكِنة، غَيرَ أنَّها لا تَظهَرُ إلّا بِاحتِكاكٍ شَديد. وفي ذلك مَوضِعُ الإشارة، فالإنسانُ نَفسُه فيه ما هو كامِنٌ لا يَظهَرُ إلّا تَحتَ ضَغطٍ وجَري، ومَن لم يَجرِ لم يَنكَشِف. والخَيلُ تَجري بِأمرٍ فتَكشِفُ النّارَ بِكُلِّ خُطوة، والإنسانُ يَجري عن ذِكرٍ فيَكشِفُ خُسرَه بِكُلِّ ساعة.

«قَدحاً»: الضَّربُ الذي يُولِّدُ الشَّرَر

والقَدحُ في العَرَبِيّةِ ضَربٌ يَستَخرِجُ النّارَ من الزَّند، أوِ الشَّرَرَ من الحَجَر، ومِنه «المِقدَح»، وهو الأداةُ نَفسُها التي يُقدَحُ بِها. وقد اختارَتِ الآيةُ هذا المَصدَرَ بِعَينِه: قَدحاً، حالاً من فِعلِ الإخراج، أي المُورِياتُ ناراً على وَجهِ القَدح، لا على وَجهٍ آخَر. والنّارُ هُنا نارٌ من حافِرٍ يَضرِبُ حَجَراً تَحتَ ثِقَلِ بَدَنٍ يَجري، وليسَت من عودٍ يُحَكُّ بِعود، ولا من صَوّانٍ يُقرَعُ بِفولاذ، فالقَدحُ هُنا فِعلُ الجَري، لا فِعلٌ مَقصودٌ مُفرَد.

والمَشهَدُ الذي يَقِفُ عِندَه القارِئُ لَيلٌ في آخِرِه، وخَيلٌ تَتَأهَّبُ لِغارة، وحَجَرٌ تَحتَ الحَوافِر، وشَرَرٌ يَتَطايَرُ في العَتمةِ المُتَأخِّرة، وهي صورةٌ جَميلة، غَيرَ أنَّها مُخيفةٌ أيضاً، والجَريُ يَكشِفُ الكامِن. ولِكُلِّ شَيءٍ في الإنسانِ نارُه التي تَكمُنُ تَحتَ سَطحِه، تَنتَظِرُ احتِكاكاً يُظهِرُها، والسّورةُ تَطرَحُ السُّؤالَ عن الاحتِكاكِ الذي سيُظهِرُ نارَ كُلِّ إنسانٍ بِصورةٍ، لا بِجُملة.


حَصيلة

الفاءُ في «فَالمُورِيات» حَرفُ تَعقيبٍ بِلا مُهلة، فالجَريُ مُستَمِرٌّ، والصّورةُ تَنتَقِلُ من صَوتٍ إلى ضَوء. والجِذرُ (و-ر-ي) يَجمَعُ ضِدَّينِ في كَلِمةٍ واحِدة: «وارَى» بِمَعنى سَتَر، و«أَورى» بِمَعنى أخرَجَ النّارَ من مَستَوِرِها، والخَيلُ تَكشِفُ بِحَوافِرِها ما كانَ كامِناً في الحَجَر، والقَدحُ من (ق-د-ح) هو ذلك الضَّربُ الحادُّ الذي يَنطَلِقُ مِنه الشَّرَر، ولا تَتَوَقَّفُ الخَيلُ لِتُورِيَ النّار، فجَريُها هو القَدحُ نَفسُه. والصّورةُ تُمَهِّدُ لِسِرِّ السّورة، وهو أنَّ في كُلِّ شَيءٍ ناراً كامِنةً لا تَخرُجُ إلّا تَحتَ احتِكاكٍ شَديد، والآياتُ القادِمةُ ستَصِفُ الإنسانَ بِأنَّه يَجري ويَشتَدُّ في حُبِّ الخَير، غَيرَ أنَّ الذي سيَنكَشِفُ فيه تَحتَ جَريِ الزَّمَنِ هو إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، وليسَ شَرَراً. والسَّنابِكُ تُورِي النّور، والحِسابُ يُورِي الحَقيقة.