العاديات · الآية 3

﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا

«المُغيرات»: الذي يَدخُلُ في عُمقِ ما لا يَتَوَقَّع

ومادّةُ (غ و ر) تَدورُ على الدُّخولِ في العُمق، ومِنه «الغارُ» في الجَبَل، و«الغَورُ» لِأسفَلِ الوادي، و«غارَ الماءُ» إذا ذَهَبَ في الأرض، وهي كُلُّها صورةٌ واحِدة: حَرَكةٌ تَنزِلُ في الباطِنِ بَعدَ أن كانَت في الظّاهِر. و«أَغارَ» مَعناه هَجَمَ على شَيءٍ فدَخَلَ في عُمقِه، واقتَحَمَ ما لم يَكُن مَفتوحاً لَه.

والخَيلُ المُغيرةُ هي التي تَدخُلُ في صَفِّ القَومِ من غَيرِ أن يَتَوَقَّعوها، فإغارَتُها اقتِحامٌ يَنزِلُ في القَلبِ من القَومِ كما يَنزِلُ الماءُ في الأرض، وليسَت غَزواً من مَسافةٍ ظاهِرة. والاسمُ هُنا مَوضوعٌ بِدِقّة، فقد أوثِرَ «المُغيرات»، وهُنَّ اللّاتي يَنفُذنَ في عُمقِ المَوضِع، على «المُهاجِمات» (وهي من جِذرٍ آخَرَ يَدُلُّ على الإقدامِ الظّاهِر).

«صُبحاً»: الانكِشافُ الذي يَكشِفُ المَخفِيّ

والجِذرُ (ص ب ح) مَعناه في الأصلِ ظُهورُ النّورِ من الظَّلام، والصُّبحُ هو اللَّحظةُ التي يَفصِلُ فيها النّاظِرُ بَينَ الخَيطِ الأبيَضِ والخَيطِ الأسوَد، فيَنكَشِفُ ما كانَ مَخفِيّاً، ويَصيرُ ما كانَ ظِلّاً شَخصاً. وهذا هو وَقتُ الغارة، وقد اختيرَ لأنَّ الغارةَ نَفسَها فِعلُ كَشف، لا اعتِباطاً. والخَيلُ تَأتي مَعَ النّور، فيَصيرُ النّائِمُ مَكشوفاً مَرَّتَين: مَرّةً بِالضَّوء، ومَرّةً بِالعَدُوِّ الذي يَنزِلُ عَلَيه.

وفي ذلك صورةٌ ثانِيةٌ لِما سيُقالُ في الإنسان، فهو يَعيشُ في ظَلامِ الغَفلة، ثُمَّ يَأتي صُبحٌ يَنكَشِفُ فيه ما كانَ مُغَطّىً: فالمَوتُ صُبح، والقِيامةُ صُبحٌ أكبَر، وكُلُّ زَمَنٍ يَأتي ويَكشِفُ ما كانَ مَستوراً. والمُغيرةُ على القَومِ في فَجرِ الدُّنيا صورةٌ مُصَغَّرةٌ لِلمُغيرةِ على القَومِ في فَجرِ الآخِرة، وهي صُبحٌ، فعَدُوّ، فمُحاسَبة.

السُّلَّمُ الزَّمَنيّ: لَيلٌ، فَفَجر، فَنُهوض

والآياتُ الثَّلاثُ الأُولى تَرسُمُ مَشهَداً مُتَتابِعاً في الزَّمَن: فالضَّبحُ صَوتُ اللَّيلِ في خِضَمِّ المَسير، والقَدحُ شَرَرٌ يُضيءُ العَتَمة، والصُّبحُ هو لَحظةُ الوُصول، والخَيلُ تَركُضُ طولَ اللَّيلِ لِتَصِلَ في اللَّحظةِ الفاصِلة، فاللَّيلُ كُلُّه تَأهُّب، والصُّبحُ كَشف.

والقارِئُ يَتَأمَّلُ في حَياتِه، فعُمرُه كُلُّه مَسير، وفي آخِرِه صُبح، ويَبقى السُّؤالُ عَمّا يُعَدُّ لَه فيه، وعَمّا يُكشَفُ عَنه. والسّورةُ تَبني الصّورةَ التي يَطرَحُ فيها القارِئُ هذا السُّؤالَ على نَفسِه، ولا تَطرَحُه هي مُباشَرةً، وكُلُّ كَلِمةٍ في الآياتِ الخَمسِ الأُولى مَلفوظةٌ بِحَيثُ يَجِدُ القارِئُ نَفسَه فيها في صَفِّ المُتَأخِّرِ النّائِمِ في صُبحِ الغارة، لا في صَفِّ النّاجي.


حَصيلة

الفاءُ الثّانِيةُ تُتابِعُ الجَريَ بِلا انقِطاع. والجِذرُ (غ-و-ر) يَحمِلُ صورةَ النُّزولِ في العُمق: فالغارُ كَهف، وغَورُ الوادي قَعرُه، والماءُ يَغورُ في الأرضِ حينَ يَدخُلُها، و«أَغارَ» إذَن هو الاقتِحامُ الذي يَنزِلُ في صَميمِ ما لم يَكُن مُنتَظَراً. وأمّا «صُبحاً» من (ص-ب-ح) فهو ظَرفُ الكَشفِ بِعَينِه، أي اللَّحظةُ التي يَنفَصِلُ فيها النّورُ عن الظَّلامِ بِحَدٍّ صَلب. والغارةُ كَشفٌ يَنزِلُ في العُمق، يَدُلُّ على ذلك وَقتُها وجِذرُها، وليسَت هُجوماً اعتِباطِيّاً، والخَيلُ تَركُضُ اللَّيلَ كُلَّه لِتَصِلَ مَعَ الضَّوءِ الأوَّل، فيَصيرُ النّائِمُ مَكشوفاً مَرَّتَين. والصّورةُ تُمَهِّدُ لِما سيُكشَفُ في الإنسانِ يَومَ صُبحِه الأكبَر: لَيلٌ من الغَفلة، ثُمَّ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، حَيثُ يَغورُ الكَشفُ في أعمَقِ ما كانَ مَستوراً في الصُّدور.