العاديات · الآية 1

﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا

«وَ» القَسَم: استِدعاءُ الخَيلِ شاهِدَةً عَلى الإنسان

والقَسَمُ في القُرآنِ لا يَكونُ بِشَيءٍ إلّا وهو شاهِدٌ يَتَّصِلُ بِما سيُقال، وقد استُدعِيَ هُنا الفَرَسُ لأنَّه يَعرِفُ صاحِبَه: يُرَبّى على يَدَيه، ويَأكُلُ من يَدَيه، ويَركُضُ تَحتَه إلى المَوت، لا يَنسى مَن أطعَمَه، ولا يَتَنَكَّرُ لِراكِبِه في خِضَمِّ المَعرَكة. وسيُقالُ عن الإنسانِ في الآياتِ القادِمةِ إنَّه «لِرَبِّه لَكَنود»، أي لا يَعرِفُ مَن أنعَمَ عَلَيه، فالخَيلُ تُستَدعى أوَّلاً لأنَّ الفَرقَ بَينَها وبَينَه فاضِح.

والقَسَمُ هُنا مُحاجَجة، وليسَ تَشريفاً لِلخَيل، وكأنَّ الكِتابَ يَدعو المُخاطَبينَ إلى النَّظَرِ في البَهيمةِ التي يَرَونَها كُلَّ يَوم، كيفَ تَفي بِما لا يَفونَ بِه هُم، ثُمَّ يَأتي الحُكمُ بَعدَ ذلك.

«العادِيات»: الجَريُ الذي يُتجاوَزُ بِه حَدّ

والجِذرُ (ع د و) يَدورُ على الجَريِ والتَّجاوُز، ومِنه «العَدْوُ» في المَشي، و«العَدُوُّ» الذي يَتَجاوَزُ حَدَّ صاحِبِه، و«التَّعَدّي» لِمُجاوَزةِ الحَقّ، وكُلُّها في جِذرِها صورةٌ واحِدة: حَرَكةٌ تَخرُجُ من مَكانِها لِتَتَجاوَزَ مَوضِعاً. و«العادِياتُ» اسمُ فاعِلٍ من هذا الجِذر، جَمعٌ مُؤَنَّثٌ يَدُلُّ على الخَيلِ خاصّةً، وهي الخَيلُ التي تَعدو، أي تُجاوِزُ بِجَريِها حَدَّ مَكانِها الأوَّل.

وعُدِلَ عن «وَالخَيل» و«وَالجِياد» إلى الصِّفةِ الفاعِلة، لأنَّ المُرادَ الخَيلُ في حَرَكَتِها، لا الخَيلُ ساكِنة، فالقَسَمُ بِالحَرَكةِ نَفسِها، لا بِالحامِلِ لَها، والقارِئُ مَدعُوٌّ إلى أن يَرى المَشهَدَ يَجري، لا أن يَتَأمَّلَ صورةً مُتَجَمِّدة: الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والحَرَكةُ تَسبِقُ الاسم.

«ضَبحاً»: الصَّوتُ الذي يَلهَث بِه الجَري

والضَّبحُ في العَرَبِيّةِ صَوتُ نَفَسِ الفَرَسِ حينَ يَركُض، وهو غَيرُ الصَّهيلِ والحَمحَمة، فهو ذلك النَّفَسُ الثَّقيلُ المُتَواصِلُ الذي يَخرُجُ من صَدرِ الفَرَسِ المُجهَدِ كأنَّه يَلهَث. والحاءُ في آخِرِ الكَلِمةِ تَفعَلُ ما تَقولُه، فهي صَوتٌ يُجَرُّ من أقصى الحَلقِ كأنَّه نَفَسٌ مَكتوم، واللُّغةُ هُنا تُحاكي ما تَصِف، فتُسمِعُ السّامِعَ الجَريَ بِأُذُنِه قَبلَ أن يَصِلَه المَعنى.

و«ضَبحاً» مَنصوبةٌ على الحال، أو على المَصدَرِ المُؤَكِّدِ لِفِعلِ الجَري، والمَعنى: العادِياتُ حالَ كَونِها تَضبَح، أوِ العادِياتُ عَدوًا مَصحوباً بِضَبح، فالكَلِمةُ الواحِدةُ تَحمِلُ الفِعلَ والصَّوتَ مَعاً. والخَيلُ هُنا تَجري في الفَجرِ المُتَأهِّبِ لِغارة، وليسَت تَجري في الفَراغ، ونَفَسُها يَسبِقُها كأنَّه يُعلِنُ وُصولَها قَبلَ أن تَصِل.

وفي ذلك مَوضِعُ التَّناقُضِ الذي ستَنطِقُ بِه السّورة: الفَرَسُ يَلهَثُ تَحتَ راكِبِه، والإنسانُ يَلهَثُ خَلفَ مَتاعِه، وكِلاهُما في عَدْوٍ، غَيرَ أنَّ الأوَّلَ يَجري بِأمرٍ، والثّانيَ يَجري عن الذِّكر.


حَصيلة

الجِذرُ (ع-د-و) يَجمَعُ الجَريَ والتَّجاوُزَ في حَرَكةٍ واحِدة، و«العادِياتُ» اسمُ فاعِلٍ يُسَمّي الخَيلَ في حَرَكَتِها لا في سُكونِها، وواوُ القَسَمِ استِدعاءٌ لِشاهِدةٍ تَعرِفُ راكِبَها وتَفي بِه. و«ضَبحاً» من (ض-ب-ح) مَصدَرٌ يُحاكي صَوتَ نَفَسِ الفَرَسِ تَحتَ جَريٍ شَديد، والحاءُ في آخِرِه تَفعَلُ ما يَقولُه الاسم. والقَسَمُ بِالخَيلِ مُحاجَجةٌ مَبنِيّةٌ على الوَفاء، ولا يَقِفُ عِندَ التَّشريف، فالفَرَسُ يَعرِفُ مَن أطعَمَه وتَحتَ مَن يَجري، والإنسانُ سيوصَفُ في الآياتِ القادِمةِ بِأنَّه لا يَعرِف، واللُّغةُ هُنا تَلهَثُ قَبلَ أن يَلتَقِطَ المَعنى.