العاديات · الآية 7

﴿وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ

«وَإنَّه»: العَطفُ بِالواو، تَأكيدٌ ثانٍ يُكَمِّلُ الأَوَّل

والواوُ في أوَّلِ الآيةِ واوُ العَطف، تَعطِفُ الجُملةَ على ما قَبلَها: الإنسانُ كَنود، وَهو على ذلك شَهيد، والجُملَتانِ يُكَمِّلُ بَعضُهُما بَعضاً. ثُمَّ جاءَت «إنَّ» مَرّةً ثانِية، و«اللّامُ» في «لَشَهيد»، وهو تَوكيدٌ مُكَرَّرٌ يُؤَكِّدُ ما قَبلَه ويَزيدُ عَلَيه.

وعِلّةُ التَّوكيدِ مَرّةً ثانِيةً أنَّ الإنسانَ يَستَطيعُ أن يُنكِرَ الكُنود، ولا يَستَطيعُ أن يُنكِرَ شَهادَتَه على نَفسِه، فكيفَ يُنكِرُ ما يَعرِفُه هو؟ والمُتَكَلِّمُ بِهذا يُغلِقُ المَنفَذَ الأخيرَ لِلهُروب، فقد كانَ يُمكِنُ التَّخَفّي من الكُنود، غَيرَ أنَّ كَونَ الإنسانِ شاهِداً على نَفسِه يَجعَلُ الإقفالَ مُحكَماً.

«على ذَلكَ»: الإشارَةُ التي تَختِمُ الجُملَةَ السابِقَة

و«ذَلِك» في العَرَبِيّةِ اسمُ إشارةٍ لِلبَعيد، وقد جاءَ هُنا والكُنودُ مَذكورٌ قَبلَ كَلِمَتَينِ فَحَسب، لأنَّ الإنسانَ يَنأى بِنَفسِه عن الاعتِرافِ بِكُنودِه، فيَدفَعُه بَعيداً عَنه نَفسِيّاً، ويُجَلِّلُه، ويَجعَلُه «ذَلكَ» لا «هذا». والكِتابُ يَعرِفُ هذه المُناوَرة، فيَستَخدِمُ اللَّفظَ نَفسَه الذي يَستَخدِمُه الإنسانُ في إبعادِ الفَضيحةِ عن نَفسِه، ثُمَّ يُثبِتُ لَه الشَّهادةَ عَلَيه وإن كانَ «ذَلكَ»، فالإبعادُ النَّفسِيُّ لا يَنفَع.

و«على» حَرفُ استِعلاء، فالشّاهِدُ يَكونُ على الشّاهَدِ عَلَيه، لا في كَنَفِه، والإنسانُ يَقومُ على كُنودِه شاهِداً يَعلوه بِالعِلم، ويَعرِفُه أكثَرَ مِمّا يَعرِفُه أيُّ شاهِدٍ آخَر. والأدِلّةُ ثَلاثة: الفَرَسُ، والزَّمَنُ، والنَّفس، والنَّفسُ آخِرُ الشَّواهِدِ وأدَقُّها.

«شَهيد»: الحاضِرُ الذي يَعرِفُ بِالمُعايَنَة

و(ش ه د) أصلُه الحُضورُ والمُعايَنة، ومِنه «الشّاهِدُ» لِمَن حَضَرَ المَوقِفَ بِنَفسِه، و«المَشهَدُ» لِلمَوقِفِ المَنظور، و«الشَّهادةُ» لِلنُّطقِ بِما رُئِيَ. فالشَّهادةُ في العَرَبِيّةِ قَولٌ مَبنِيٌّ على حُضور، ولا تَقِفُ عِندَ القَولِ النَّظَرِيّ، ومَن لم يَحضُرْ لا يَشهَد.

و«شَهيد» على وَزنِ فَعيل، وهي صيغةُ المُبالَغةِ في الصِّفةِ الرّاسِخة، فالإنسانُ شَهيد دائِم، غَيرُ شاهِدٍ عابِر، يَعرِفُ كُنودَه في كُلِّ ساعة، ويَتَجَنَّبُ النَّظَرَ إلَيه وهو يَعرِفُ أنَّه هُناك. والكِتابُ يُقَرِّرُ هذه الحَقيقةَ بِأدَواتِ التَّوكيدِ كُلِّها لأنَّها الفَضيحةُ التي يَهرُبُ مِنها الإنسانُ أكثَرَ ما يَهرُب.

ولأنَّ الإنسانَ شَهيدٌ على نَفسِه كانَت كُلُّ مُحاسَبةٍ في الآخِرةِ تَأكيداً لِما يَعرِفُه القَلبُ مُسبَقاً، وليسَت إخباراً من خارِج. والكُتُبُ تَنشُر، والشُّهودُ يَقومون، والجَوارِحُ تَتَكَلَّم، غَيرَ أنَّ هذا كُلَّه تَأكيدٌ لِما يَعرِفُه الإنسانُ في صَدرِه أصلاً، والسّورةُ تَقولُه هُنا قَبلَ أن يَأتِيَ يَومُه، ومَعرِفةُ المَرءِ نَفسَه الآنَ خَيرٌ من أن يُعَرَّفَ بِها يَومَئِذٍ.


حَصيلة

الآيةُ السّابِعةُ تُغلِقُ آخِرَ مَنفَذٍ لِلإنكار، فالإنسانُ كَنود، وهو يَعرِفُ ذلك. والضَّميرُ في «إنَّه» يَعودُ على الإنسانِ في الآيةِ السّابِقة، و«ذَلكَ» تُشيرُ إلى الكُنودِ نَفسِه، والواوُ تَعطِفُ الجُملةَ على ما سَبَق، ثُمَّ تَأتي «إنَّ» و«اللّامُ» في «لَشَهيد» تَوكيداً مُضاعَفاً. وقد كُرِّرَ التَّوكيدُ مَرّةً ثانِيةً لأنَّ الكُنودَ يُمكِنُ إنكارُه، والشَّهادةُ على النَّفسِ لا يُمكِنُ إنكارُها، إذ لا يُنكِرُ المَرءُ ما يَعرِفُه هو.

واختيارُ «ذَلكَ» بَدَلَ «هذا» دَقيقٌ مَقصود، فالكُنودُ ذُكِرَ قَبلَ كَلِمَتَين، وقاعِدةُ القُربِ تَقتَضي «هذا»، غَيرَ أنَّ العَرَبِيّةَ تَستَخدِمُ اسمَ الإشارةِ لِلبَعيدِ لأنَّ الإنسانَ يَنأى بِكُنودِه نَفسِيّاً، فيُسَمّيه «ذَلك» لا «هذا» لِيُبقِيَه على طَرَفِ وَعيِه. والكِتابُ يَستَعمِلُ اللَّفظَ نَفسَه الذي يَستَعمِلُه الإنسانُ في التَّمَلُّص، ثُمَّ يُقَرِّرُ أنَّه قائِمٌ عَلَيه شاهِداً حَتّى هُناك، في ذلك البُعدِ نَفسِه، وحَرفُ الاستِعلاءِ «على» يُجَسِّمُ هذا، فالشّاهِدُ يَعلو المَشهودَ عَلَيه بِالمَعرِفة.

وجِذرُ (ش-ه-د) يَدورُ على الحُضورِ والمُعايَنة، و«شَهيد» على وَزنِ فَعيلٍ صِفةٌ راسِخةٌ دائِمة، لا مُلاحَظةٌ عابِرة، فالإنسانُ يَعرِفُ كُنودَه في كُلِّ ساعة، حَتّى وهو يَصرِفُ نَظَرَه عَنه، ومَعنى هذا أنَّ أيَّ مُحاسَبةٍ في المَآلِ تَأكيدٌ لِما يَحمِلُه القَلبُ مُسبَقاً، وليسَت خَبَراً من خارِج. والسّورةُ تُقَرِّرُ هُنا أنَّ مَعرِفةَ الإنسانِ بِنَفسِه الآنَ خَيرٌ من أن يُعَرَّفَ بِها يَومَ لا يَنفَعُ الهُروب.