المسد · الآية 4

﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ

«وامرَأَتُه»: الواوُ تَمُدُّ الحُكمَ بلا فاصِل

الواوُ هنا واوُ العَطفِ المُتَّصِل، لا واوُ الاستِئناف، والآيةُ الثالثةُ انتَهَت بِنارٍ ذاتِ لَهَب، والرابعَةُ تَفتَتِحُ بـ«وامرَأَتُه» مَعطوفاً على فاعِلِ «سَيَصلى»، والمَعنى: سَيَصلى ناراً... وامرَأَتُه، وكأنَّ النارَ تَفتَحُ بابَها لاثنَين يَلِجانِها مَعاً.

و«امرَأَتُه» مُضافَةٌ إلَيه بضَميرِ المُلكيَّة، فالمُرادُ امرَأَتُه هو، وليست امرَأَةً في مُطلَقِ الإطلاق. غَيرَ أنَّ الآيةَ لا تَكتَفي بهذه الإضافة، ولو اقتَصَرَت عَلَيها لكانَ الحُكمُ مُستَنَداً إلى الصِّلَةِ المُجَرَّدَة، وهذا لا يَجوزُ في الكتاب: لا يُؤاخَذُ أحدٌ بصِلَة. ولذلك تَأتي بَعدَها صِفَةٌ تَدُلّ على فِعلِها هي: «حَمّالَةَ الحَطَب»، والصِّلَةُ نَسَبيَّة، أمّا الصِّفَةُ فشَخصيَّة، والحُكمُ مُعَلَّقٌ بالصِّفَةِ لا بالصِّلَة.

والصِّلَةُ الزَّوجِيَّةُ في الآيَةِ لا تُؤاخِذُ وَحدَها: الزَّوجِيَّةُ تَنفَعُ صاحبَها إذا حَمَلَ شَيئاً يَنفَعُه، وتَدخُلُ مَعَه فيما هو فيه إذا حَمَلَ ما يَستَجلِبُ عَلَيه، والقاضيَةُ هي الصِّفَةُ دونَ التَّسميَة.

«حَمّالَة»: الحَملُ صارَ صِفَةً لا حادثَة

وصيغَةُ «فَعّالة» في العَرَبيَّةِ تَدُلّ على الفِعلِ المُتَكَرِّرِ الذي يَنعَقِدُ على صاحبِه فيَصيرُ صِفَةً له: «خَبّازَة» مَن لازَمَ الخَبزَ حتى عُرِفَ به، و«طَوّافَة» مَن لازَمَ الطَّوفَ حتى عُرِفَت بِه، وَ«حَمّالَة» مَن لازَمَ الحَملَ حتى عُرِفَت بهِ.

ولذلك عُدِلَ في الآيَةِ عن «حامِلَةَ الحَطَب» إلى «حَمّالَة»، فالحامِلُ مَن يَحمِلُ في وَقتٍ ما، والحَمّالُ مَن صارَ الحَملُ صَنعَتَه، والفَرقُ بَينَهما الفَرقُ بَينَ الحادِثَةِ والصِّفَة. والآيةُ تَكشِفُ ما انعَقَدَ في باطِنِها فصارَ هَويَّتَها، ولا تُسَجِّلُ عَلَيها فِعلاً عابِراً.

وفي جَذرِ «حَمَل» باطِنٌ لَطيف: «احتِكاكٌ مُحيطٌ يَرفَعُ الشَّيءَ بِبَذلِ جَهد»، فالحَملُ احتِكاكٌ يَلتَصِقُ بالحامِل، زِيادةً على ما فيه من نَقل، وما يَحمِلُه الإنسانُ يَحتَكُّ به في طريقِه. ولذلك يَصدُقُ القَولُ: ما حَمَلتَه يَحمِلُك. ومَن لازَمَ حَملَ الحَطَبِ احتَكَّ به، وَتَعَلَّقَ هو نَفسُه ببَقايا حَطَبِها، وحين تَأتي النارُ تَلتَقي ما هو فيها قَبلَ ما هو خارجَها.

«الحَطَب»: المادَّةُ التي تُغَذّي اللَّهَب

و«الحَطَب» مَعرَّفٌ بأل، والمُرادُ الحَطَبُ المَعروفُ في سياقِ السورة، وليس حَطَباً نَكِرة، وهو ما يُغَذّي ناراً ذاتَ لَهَب، والآيةُ السابقَةُ سَمَّت النار، وهذه تُسَمّي وَقودَها، وصيغةُ «حَمّالَة» تَجعَلُ الحَملَ صِفَتَها التي انعَقَدَت فيها.

والصيغةُ «فَعّالَة» تَفعَلُ في الباطِنِ ما لا تَفعَلُه «فاعِلَة»، فهي تَجعَلُ الفِعلَ مَوصولاً بصاحِبَتِه، لازِماً لها، لا حادثَةً تَعرِضُ ثمّ تَنقَضي، ومَن صارَ الحَملُ صِفَتَها لا يَنفَكُّ عَنها مَحمولُها. والجَذرُ ح-م-ل في باطِنِه احتِكاكٌ بَينَ الحامِلِ والمَحمول، فما يَحمِلُه الإنسانُ يَحتَكُّ بهِ ويَتَعَلَّقُ بهِ شَيءٌ مِنه.

وفي البَقَرة آيةٌ تُكاشِفُ هذا التَّحَوُّل: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، والنارُ تَأخذُ وَقودَها مِمَّن يَدخُلُها، ومَن صارَ حَملُ الحَطَبِ صِفَتَها الراسِخَة تَلتَقي عند بابِ النارِ بما انعَقَدَ في باطِنِها، والصِّفَةُ التي تَكَوَّنَت في الدنيا لا تَنفَكُّ عَنها عند البابِ الذي يَنفَتِحُ على الجَوهَر.


حَصيلة

الواوُ تَمُدُّ الحُكمَ إلى ما لم يُتوَقَّع: «وامرَأَتُه»، والسورةُ تَنتَقِلُ من الرَّجُلِ إلى زَوجَتِه، والحُكمُ مُعَلَّقٌ بِصِفَتِها لا بِصِلَتِها: «حَمَّالَة الحَطَب» على وَزنِ «فَعَّالَة»، وهي صيغَةُ كَثرَةٍ ومُبالَغَة، صارَ بها الحَملُ عادَةً وصِفَة. و«الحَطَب» (ح-ط-ب) المادَّةُ التي تُوقَدُ بها النار، والحَملُ صارَ صِفَتَها الراسِخَة، فما لازَمَت نَقلَه يَلتَقيها عند بابِ النار. والمادَّةُ التي يُحمَلُ بها الأذى تَنقَلِبُ على حامِلِها، والحِملُ يَستَمِرُّ.