المسد · الآية 5

﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ

«في جِيدِها»: المَوضِعُ الذي كانَ زينَةً يَستَقبِلُ القَيد

في باطِنِ الجَذرِ ج-ي-د «امتِدادٌ يُحيطُ بِجَمالِ الموضع»، والجِيدُ مِن العُنُقِ ما يُمَدُّ وتَلتَفُّ به القِلادَة، ولذلك خُصِّصَ بهذا الاسمِ في وَصفِ النِّساء. والكَلِمَةُ تَحمِلُ في أصلِها صورَةَ زِينَة، ومن جَذرِها «جَوَّدَ» إذا أَتقَنَ، و«جَيِّد» لِلحَسَنِ المُختار، وهي مَشحونَةٌ في الأصلِ بإيحاءٍ إيجابيّ.

واستَعمَلَتها الآيةُ فيما لا تَفعَلُه أيُّ كَلِمَةٍ أُخرى، فجَعَلَتِ المَوضِعَ الذي يُتَزَيَّنُ به مَوضِعاً يُقَيَّدُ فيه. ولو قالَت «في عُنُقِها» لكانَ الإخبارُ مُجَرَّداً، وبِقَولِها «في جِيدِها» صارَ الانعِكاسُ في الكَلِمَةِ نَفسِها، والجِيدُ الذي يُجعَلُ فيه ما يُزَيَّنُ به يُختَمُ هُنا بِحَبلٍ مِن مَسَد.

وفي الإسراء: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾. والقَيدُ هناك مَنهيٌّ عَنه على الإنسانِ في حالِ الإمساكِ المَذموم، وهو هنا في المَسَدِ واقِعٌ على المَوضِعِ الذي كانَ لِلزِّينة. والجِيدُ والعُنُقُ كِلاهما مَوضِع، غَيرَ أنَّ الجِيدَ مَوضِعُ الزِّينَةِ المَخصوصَة، فاختَصَّ به الانقِلاب.

«حَبلٌ»: الرابِطَةُ التي تَرتَدُّ على الرابِط

والحَبلُ في اللسانِ ما رُبِطَ به ووُصِلَ، ومنه «حَبلُ الوَصل» للقَرابَةِ المُتَّصِلَة، و«حَبلُ المَودَّة» للصُّحبَةِ المَوصولَة. وأصلُ ح-ب-ل «اتّصالٌ مُمتَدٌّ يُحيطُ بِشَيء»، والحَبلُ في صورَتِه الحِسّيَّة لِيفٌ مَفتولٌ يُحيطُ بِغَيرِه فيَربِطُه.

وتَكشِفُ الآيَةُ بهذه الكَلِمَةِ انعِكاساً ثانياً في السورة، فالمَرأةُ في الدُّنيا تَربِطُ، تَجمَعُ الحَطَبَ وتَعقِدُه، والفِعلُ في يَدَيها هو الرَّبط. وفي الآخِرَةِ يَنتَقِلُ الفِعلُ إلى نَفسِها، فيَلتَفُّ عَلَيها ما كانَت تَربِطُ به غَيرَها، والحَبلُ مِن جِنسِ ما كانَت تُحسِنُ صُنعَه، وليس حَبلاً جَديداً غَريباً، ومَن كانَت صَنعَتُها الرَّبطَ تُختَمُ بِما رَبَطَت.

ويَظهَرُ هذا المَعنى في تَكرارِ الجَذرِ في القرآن: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، فالحَبلُ هناك رابِطَةُ نَجاةٍ يَتَمَسَّكُ بها المُؤمِن، وهو هنا في المَسَدِ رابِطَةُ قَيدٍ تَلتَفُّ على المُعانِد، وحَبلٌ يَرفَعُ وحَبلٌ يُقَيِّد، والكَلِمَةُ نَفسُها والمَآلُ مُختَلِف. والإنسانُ هو الذي يَختارُ في الدُّنيا أيَّ حَبلٍ يَتَمَسَّكُ به.

«مِن مَسَد»: التَّحديدُ الأَخيرُ يَجعَلُ الحَبلَ خَشِناً

و«المَسَد» ليفُ النَّخلِ المَفتول، وفي باطِنِ جَذرِه م-س-د «إمساكٌ يَنزِلُ بضَغطٍ مُمتَدّ»، أي لِيفٌ يُفتَلُ بقُوَّةٍ ويُلَفُّ بإحكامٍ حتى يَصيرَ حَبلاً قاسياً. ولذلك جاءَ مَنكوراً «مَسَدٍ» دونَ «المَسَد»، فالمُرادُ هذا النَّوعُ من اللِّيف، خَشِنُ المَلمَسِ شَديدُ الفَتل، وليس حَبلاً مَعهوداً مَخصوصاً.

ولو اقتَصَرَتِ الآيةُ على «حَبلٌ» لكانَ الإخبارُ كافياً، فالحَبلُ يَربِطُ ناعِماً كانَ أم خَشِناً، والتَّحديدُ بالمَسَدِ لأنَّ الكَلِمَةَ تَحمِلُ في باطِنِها صورَةَ الفَتلِ المُحكَم، فاللِّيفُ يُمسَدُ، أي يُفتَلُ بقُوَّة، حتى يَستَحيلَ نَقضُه، والقَيدُ مُحكَمٌ غَيرُ لَيِّن. ومَن أَحسَنَت في الدنيا رَبطَ الحَطَبِ تَلتَقي في الآخِرَةِ بحَبلٍ مَفتولٍ بالإحكامِ نَفسِه.

وفي خاتِمَةِ السورَةِ يَلتَقي كلُّ شَيء: الجَفافُ في «تَبَّت» يَجِدُ مادَّتَه في «الحَطَب»، واللَّهَبُ في الكَنيَةِ يَجِدُ مَوضِعَه في «نارٍ ذاتَ لَهَب»، والرَّبطُ الذي كانَت تُحسِنُه يَجِدُ صُورَتَه في «حَبلٍ من مَسَد»، وليس فيها كَلِمَةٌ زائدة. والسورةُ في ذلك كاللِّيف، مَفتولَةٌ بإحكامٍ يَلتَفُّ كلُّ خَيطٍ فيها على ما يُجاوِرُه، ومَن قَرَأَها مَرَّةً وَجَدَ المَشهَد، ومَن قَرَأَها مَرّاتٍ وَجَدَ المَشهَدَ يَتفَتَّلُ على نَفسِه.


حَصيلة

تَختِمُ السورةُ بِصورَةٍ بَليغَة: «في جِيدِها حَبلٌ مِن مَسَد». و«الجِيد» (ج-ي-د) العُنُقُ والمَوضِعُ الذي تُعَلَّقُ فيه الحُلِيُّ والزِّينَة، فاختيارُه دونَ «العُنُق» يَكشِفُ انقِلابَ مَوضِعِ الزِّينَةِ إلى مَوضِعِ القَيد، وقد صارَ في مَوضِعِ العِقدِ حَبل. و«الحَبلُ» (ح-ب-ل) رابِطَةٌ تَلتَئِمُ وتَشُدّ، والشَّيءُ الذي كانَت تَربِطُ به الحَطَبَ يَرتَدُّ إليها في عُنُقِها. و«مَسَد» (م-س-د) ليفُ النَّخلِ المَفتول، خَشِنٌ صَلب، لا حَريرَ فيه ولا ذَهَب، والحَبلُ من مادَّةِ ما كانَت تَفتِلُه وتَجمَعُ به حَطَبَها. والسورةُ تَختِمُ بِانعِكاسِ ما فَعَلَت: الحَطَبُ في طَريقِه، والحَبلُ في عُنُقِها.