الفلق · الآية 2

﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مِن شَرِّ مَا خَلَقَ

«شَرّ» (ش ر ر): الانتشارُ الجاري لا الذاتُ المُستقلّة

«الشَّرّ» في اللسانِ العربيّ ضَرَرٌ يَنتشرُ كما تَنتشرُ النارُ من قَبَس، وليس قُوّةً مَوازيةً للخير، ولا كياناً قائماً بنفسِه، ولذلك ضُعِّفَت الراءُ في الجذرِ ش-ر-ر، فالانتشارُ يَتَكَرَّرُ ويَستطيل. وأوثِرَت كلمةُ «شَرّ» على «سُوء» و«أذى»، لأنّ ما يُستَعاذُ منه لاحقاً (الغاسق، النفّاثات، الحاسد) كلُّه يَتحرّكُ بالانتشار: الليلُ يَدخل، والنَّفثُ يَسري، والحَسَدُ يَمتدّ من العَين.

والإضافةُ في «شَرِّ ما خَلَق» إضافةُ جِهةٍ لا إضافةُ ذات، فليس الخَلقُ كلُّه شَرّاً، ولكلِّ مَخلوقٍ جِهةٌ يُمكنُ أن يَأتيَ منها الضَّرَر، فالنارُ تُدفئُ ولكنّها قد تَحرق، والليلُ يُريحُ ولكنّه قد يَستُرُ مُعتدياً. والمُستعيذُ يَستعيذُ من الجِهةِ، لا من المَخلوقِ نفسِه، وهذا فَرقٌ كبير، إذ لا يَكرَهُ الكَونَ حتى يَستعيذَ منه.

«ما خَلَقَ»: لا شَيءَ خارجَ مُلكِه يُؤذي

و«ما خَلَق» تَستوعِبُ كلَّ ما أُوجد: الإنسَ والجنَّ والوحوشَ والأمراضَ والأقدارَ والأحوال، ولا شيءَ يَتحرّكُ خارجَ هذا الجَدول. وفي هذا تَسليةٌ للقَلب، فما يُؤذي الإنسانَ أَثَرٌ من آثارِ الذي خَلَق، تَحت سَمعِه وبَصرِه وحُكمِه، وليس قُوّةً عمياءَ تَتحرّكُ ضِدَّ الكون.

وهذا صَدى لقولِ البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، فالذي خَلَقَ الإنسانَ هو الذي خَلَقَ ما يُستعاذُ منه، والاستعاذةُ بالخالقِ من الجانبِ المُؤذي في خَلقِه، وليست بطَرَفٍ ضِدَّ طَرَف. ومَن وَجدَ نفسَه مَخلوقاً بين مَخلوقات عَلِمَ أنّ المَلجأَ في مَن أَخرجَ الكلَّ من العَدَم، وليس في مَخلوقٍ آخر.

«خَلَق» (خ ل ق): التَّقديرُ السَّابقُ على الصُّورةِ الثابتة

و«خَلَق» في العربيّةِ يَجمَعُ تَقديراً ثمّ تَثبيتاً، زيادةً على معنى «أوجَد»، فالخالقُ في الجذرِ خ-ل-ق يُقدِّرُ الصُّورةَ في عِلمِه، ثمّ يُخرجُها على ذلك التَّقدير، ومنه «الخُلُق» للصُّورةِ الثابتةِ في النَّفس. والخَلقُ بذلك صُورةٌ مُحكَمةٌ تَنزلُ على تَقديرٍ سابق، وليس عَبثاً يَنزلُ ثمّ يَنفلت.

ومن هذا المَعنى يَتّضحُ مَوضعُ الاستعاذة، فما خَلَقه اللهُ مُحكَمٌ في تَقديرِه، والجِهةُ المُؤذيةُ نفسُها مَحسوبةٌ فيه، والمُستعيذُ يَستعيذُ من جِهةٍ مَحسوبةٍ في الصُّنعِ قد يَنالُه ضَرَرُها إن لم يَلتصِقْ بالصانع، ولا يَستعيذُ من خَلَلٍ فيه. وهذا أَدَقُّ من أن يُقال: «العالَمُ خَطِر»، والأدَقُّ أنّ العالَمَ مُحكَم، ولكلِّ مُحكَمٍ جِهةٌ تَطلبُ من الإنسانِ يَقَظةً وَصِلَة.

وحين تَختمُ السورةُ هذا الإطلاقَ بثَلاثةِ أمثلةٍ مَخصوصةٍ في الآياتِ التالية، فإنّها لا تُضيفُ شُروراً جديدةً خارجَ هذا الإطار، وتُسمّي ثلاثةً من ضُروبِ «ما خَلَق»: زَمَنٌ مَخلوق (الغاسقوَفِعلٌ مَخلوق (النَّفث)، وَنَفسٌ مَخلوقة (الحاسد). فما يُسمَّى لاحقاً يَدخلُ تحت ما عُمِّمَ هنا، والإطارُ أوّلاً، ثمّ التَّفصيلُ ثانياً.

والكَونُ صُنعَةٌ يَحكُمُها صانعٌ مُحكَم، وليس ساحةً يَحكُمُها شَيطان، والاستعاذةُ به وَحدَه تَكفي.


حَصيلة

أَعلَنَت الآيةُ الأُولى الفِرارَ إلى الرَّبِّ الفالِق، وتَكشِفُ هذه ممَّ يُفَرّ: «من شَرِّ ما خَلَق»، أي من الجِهةِ الضارَّةِ في كلِّ ما أُوجِد، لا من مَخلوقٍ بعينِه. والشَّرّ في جذرِه (ش-ر-ر) ضَرَرٌ يَنتَشِرُ كما تَنتَشِرُ النارُ من قَبَس، وليس قُوّةً مُوازِيةً للخَير ولا كياناً قائماً بنفسِه، ولِذا ضُعِّفَت الراءُ في الجذرِ تَكثيفاً للانتِشار، وما تَستَعيذُ منه السورةُ بَعدَ هذه الآيةِ كلُّه يَتَحَرَّكُ بالانتشار: غاسقٌ يَدخُل ويَستَوطِن، ونَفثٌ يَسري في عُقَد، وحَسَدٌ يَمتَدُّ من العَين. والإضافةُ في «شَرِّ ما خَلَق» إضافةُ جِهةٍ لا إضافةُ ذات، فليس الخَلقُ كلُّه شَرّاً، ولكلِّ مَخلوقٍ جِهةٌ يُمكِنُ أن يَأتيَ منها الضَّرر، فالنارُ تُدفئُ ولكنّها قد تَحرِق، واللَّيلُ يُريحُ ولكنّه قد يَستُرُ مُعتَدِياً. ثُمّ يَختارُ اللسانُ «خَلَق» دون «أَوجَد» أو «جَعَل»، لأنّ الجذرَ خ-ل-ق يَجمَعُ تَقديراً ثُمّ تَثبيتاً، وهو صورةٌ مُحكَمةٌ تَنزِلُ على تَقديرٍ سابق، ومنه «الخُلُق» للصورةِ الثابتةِ في النَّفس. فما يُستَعاذُ منه جِهةٌ مَحسوبةٌ في صورةٍ مُحكَمةٍ تَطلبُ من الإنسانِ يَقَظةً وَصِلَة، وليس خَلَلاً في الصُّنع. وفي هذا تَسلِيةٌ للقَلب، فما يُؤذي الإنسانَ أَثرٌ من آثارِ الذي خَلَقَ، تحتَ سَمعِه وبَصرِه وحُكمِه، وليس قُوّةً عَمياءَ تَتَحَرَّكُ ضِدَّ الكَون. والذي قال في صَدرِ البَقَرة اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ هو الذي خَلَقَ ما يُستَعاذُ منه، فالمَلجأُ في مَن أَخرَجَ الكلَّ من العَدَم، وليس في مَخلوقٍ آخَر. وما يَأتي بَعدَ هذه الآيةِ من شُرورٍ مَخصوصةٍ (الغاسقُ، النَّفّاثاتُ، الحاسدُ) يَدخُلُ تحتَ ما عُمِّمَ هنا: زَمَنٌ مَخلوقٌ، وفِعلٌ مَخلوقٌ، ونَفسٌ مَخلوقة، والكَونُ صُنعَةٌ يَحكُمُها صانعٌ مُحكَم، وليس ساحةً يَحكُمُها شَيطان.