الإسراء · الآية 32

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا

«وَلَا تَقْرَبُوا»: المَنهِيُّ عَنه هو القُرب

جاءَ النَّهيُ «ولا تَقرَبوا» دونَ «ولا تَزنوا»، فالفِعلُ الواقِعُ تَحتَ النَّهيِ هو الدُّنُوّ، لا الفِعلُ الذي يُدنى مِنه، ومَحَلُّ الحُكمِ بِذلك أوسَعُ من مَحَلِّ العَمَل.

وهذا فَرقٌ يُغَيِّرُ شَكلَ المَسأَلةِ كُلَّها، فلَو نُهِيَ عن الفِعلِ وَحدَه لَكانَ كُلُّ ما دونَه خارِجاً عن الحُكم، ولَكانَ الحَدُّ خَطّاً واحِداً يوقَفُ عِندَه، وأمّا النَّهيُ عن القُربِ فيَجعَلُ الحُكمَ دائِرةً حَولَ المَوضِعِ لا خَطّاً عِندَ بابِه. والقُربُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، والذي تَزيدُه الآيةُ عَلَيه أنَّها جَعَلَتْه هو المَنهِيَّ عَنه لا وَسيلةً إلَيه.

«الزِّنَا»: لَفظٌ مُعَرَّفٌ يُشارُ بِه ولا يُوصَف

وجاءَ الاسمُ مُعَرَّفاً بِـ«ال»، والتَّعريفُ هُنا إشارةٌ إلى مَعهودٍ عِندَ المُخاطَبين. والآيةُ لا تَصِفُ الفِعلَ ولا تَحُدُّه ولا تُفَصِّلُه، فهي تُسَمّيه وتَنهى عن الدُّنُوِّ مِنه، ثُمَّ تَقولُ فيه أمرَينِ فَقَط.

وما سَكَتَت عَنه الآيةُ لا يُنسَبُ إلَيها، وما يَعرِفُه القارِئُ من مَدلولِ اللَّفظِ يَبقى عِندَه، ولا تَتَكَفَّلُ الآيةُ بِتَفصيلِه، فشُغلُها اثنان: مَوضِعُ الحُكمِ وسَبَبُه.

«إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً»: ما يَتَفَشّى يُمنَعُ من أوَّلِه

و«كانَ» دالّةٌ على الثُّبوت، لا على مُضِيٍّ مَضى. والخَبَرُ «فاحِشةً» نَكِرة، وهي من ف-ح-ش، وأصلُه نُفوذٌ يَخلُصُ خارِجاً ثُمَّ يَتَفَشّى مُنتَشِراً فيُجاوِزُ حَدَّه، ومِنه «فَحُشَ الشَّيءُ» إذا جاوَزَ المِقدارَ فظَهَرَ زائِداً.

فالفاحِشةُ في جَذرِها اسمٌ لِما لا يَقِفُ عِندَ حَدِّه، زِيادةً على دَلالَتِها على القُبح. وهذا يُجاوِبُ صيغةَ النَّهيِ مُجاوَبةً تامّة، فما كانَ شَأنُه الانتِشارَ يُلقى عِندَ مَبدَئِه لا عِندَ مُنتَهاه، كما يُطفَأُ الحَريقُ عِندَ الشَّرارةِ لا عِندَ السَّقف. فالخَبَرُ الأوَّلُ عِلّةٌ لِشَكلِ الحُكمِ لا لِلحُكمِ فحَسْب.

«وَسَاءَ سَبِيلًا»: تَمييزٌ يَجعَلُه طَريقاً لا واقِعةً

و«ساءَ» فِعلٌ جامِدٌ لِلذَّمّ، و«سَبيلاً» تَمييزٌ مَنصوبٌ يُفَسِّرُ جِهةَ الذَّمّ، فالمَذمومُ مَذمومٌ من جِهةِ كَونِه سَبيلاً، لا من جِهةِ كَونِه فِعلاً واقِعاً.

وهذا الخَبَرُ الثّاني يُغَيِّرُ هَندَسةَ الأمرِ كُلَّها، فقد أوثِرَ «سَبيلاً» على «ساءَ فِعلاً» و«ساءَ عَمَلاً»، والسَّبيلُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، وأوَّلُ ما فيه أنَّه مَمشىً يُسلَك، وما كانَ مَمشىً فلَه خُطُواتٌ قَبلَ مُنتَهاه، وكُلُّ خُطوةٍ فيه مِنه.

فالخَبَرانِ يُقَسِّمانِ التَّعليلَ بَينَهُما قِسمةً دَقيقة: الأوَّلُ أنَّه يَنتَشِر، فيُمنَعُ من مَبدَئِه، والثّاني أنَّه طَريق، فما يُظَنُّ مُقَدِّمةً لَه هو مِنه. ولَم تَصِفِ الآيةُ الفِعلَ في شَيءٍ من ذلك، وإنَّما وَصَفَت هَيئَتَه في الانتِشار، ومَوقِعَه في الأرض.


حَصيلة

آيةٌ تَنهى عن الدُّنُوِّ لا عن الفِعل، فيَصيرُ الحُكمُ دائِرةً حَولَ المَوضِعِ لا خَطّاً عِندَ بابِه. والاسمُ مُعَرَّفٌ يُشارُ بِه إلى مَعهودٍ ولا يوصَف، تُسَمّيه الآيةُ ولا تُفَصِّلُه. ثُمَّ خَبَرانِ اثنانِ لا ثالِثَ لَهُما، وكِلاهُما يُعَلِّلُ شَكلَ الحُكمِ قَبلَ أن يُعَلِّلَ الحُكم: أوَّلُهُما أنَّه فاحِشة، وهي في جَذرِها ما جاوَزَ حَدَّه فتَفَشّى وانتَشَر، وما هذا شَأنُه لا يُلقى عِندَ آخِرِه، وثانيهِما أنَّه سَبيل، والتَّمييزُ يُثبِتُ الذَّمَّ من جِهةِ الطَّريقِ لا من جِهةِ الواقِعة، وما كانَ طَريقاً فخُطوَتُه الأولى مِنه. فالآيةُ لم تَصِفِ الفِعل، ووَصَفَت انتِشارَه وأرضَه، والطَّريقُ يُمنَعُ من مَدخَلِه لا من مُنتَهاه.