الإسراء · الآية 33

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا

«النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ»: المَفعولُ يَحمِلُ صِلَتَه

وعُدِلَ عن أن يُقالَ «ولا تَقتُلوا نَفساً» إلى المَعرِفةِ المَوصوفةِ بِصِلة: «النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ»، والصِّلةُ هي التي تَحمِلُ الحُكم. فالحُرمةُ فِعلٌ مَنسوبٌ إلى فاعِلٍ مُسَمّىً في الآية، ولم تُترَكْ وَصفاً عامّاً يُستَنبَط.

والنَّفسُ مَفهومٌ يُرجَعُ فيه إلى المُعجَم. وأمّا «حَرَّمَ» فمِن ح-ر-م، وهو مَنعٌ بِحَوزٍ لا بِحاجِز، ومِنه «الحَرَمُ»: ما حِيزَ فامتَنَع، لا ما بُنِيَ حَولَه سور. فالمَنعُ في هذا المَوضِعِ داخِلٌ في المَمنوعِ نَفسِه، غَيرُ مَوضوعٍ عَلَيه من خارِج، والنَّفسُ مَحوزةٌ قَبلَ أن تُحرَس.

«إِلَّا بِالْحَقِّ»: استِثناءٌ بِمُصاحِبٍ لا بِحالةٍ مَعدودة

وجاءَ الاستِثناءُ بِالباءِ في «إلّا بِالحَقّ»، وأوثِرَ هذا التَّعبيرُ على نَحوِ «إلّا لِسَبَب» و«إلّا في مَوضِعِ كَذا»، والباءُ لِلمُصاحَبةِ والمُلابَسة. فالمُستَثنى قَتلٌ يُلابِسُه الحَقُّ ويَصحَبُه، ولم يُجعَلْ صُوَراً تُعَدُّ في قائِمة.

والحَقُّ كذلك مَرجِعُه المُعجَم. ولم تُعَيِّنِ الآيةُ ما هو في هذا المَوضِع، ولم تُفَصِّلْ صُوَرَه ولا عَدَّت أبوابَه، فقد سَمَّتِ المُصاحِبَ ثُمَّ سَكَتَت، ومَن مَلَأَ هذا السُّكوتَ بِتَفصيلٍ فقد وَضَعَ في الآيةِ ما لم تَضَعْه.

«وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا»: فِعلٌ لِلمَجهولِ يُبقي القاتِلَ بِلا اسم

و«قُتِلَ» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، فلا يُسَمّى القاتِلُ ولا يوصَف، ويَبقى بِلا ذِكرٍ في الآيةِ كُلِّها. والمَذكورونَ في هذه الجُملةِ ثَلاثة: المَقتولُ، ووَلِيُّه، والذي جَعَل، وأمّا الرّابِعُ فمَحذوفٌ من اللَّفظ.

و«مَظلومًا» حالٌ من نائِبِ الفاعِل، والظُّلمُ يُطلَبُ مَعناه في المُعجَم. والحالُ قَيدٌ في الحُكمِ لا حِليةٌ في الكَلام، فالجُملةُ لا تَعُمُّ كُلَّ مَقتول، وإنَّما تَخُصُّ مَن وَقَعَ عَلَيه القَتلُ على هذه الحال.

«فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»: نُفوذٌ يُعطى ولا يُنتَزَع

و«قَد» مَعَ الماضي لِلتَّحقيق، و«جَعَلنا» إسنادٌ صَريحٌ إلى المُتَكَلِّم، فالسُّلطانُ مَوضوعٌ وَضعاً، وليسَ مِمّا يَأخُذُه صاحِبُه بِنَفسِه. واللّامُ في «لِوَلِيِّه» لِلاختِصاص، أي جُعِلَ لَه، فهو مَحَلُّه المُعَيَّن.

ولِلوَلِيِّ مَدخَلٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، وفيه أنَّ الوَلِيَّ هو الأدنى الذي لا واسِطةَ دونَه. فالنُّفوذُ مَوضوعٌ في أقرَبِ يَدٍ إلى الدَّم، دونَ يَدٍ بَعيدةٍ أو مُحايِدة.

و«سُلطانًا» نَكِرةٌ لم تُقَدَّرْ بِمِقدار، وهو من س-ل-ط: نُفوذٌ بارِزٌ يُطبِقُ على مَحَلِّه، ومِنه «السَّليطُ» لِلزَّيتِ يَسري في الفَتيلةِ فيَعُمُّها. فالمَجعولُ لِلوَلِيِّ قُوّةُ نَفاذٍ تُطبِق، وليسَ رُخصةً يَحُدُّها لَفظُها.

«فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ»: النَّهيُ يَنزِلُ على اليَدِ التي أُعطِيَت

وهذه فاءٌ ثانِيةٌ في الجُملةِ نَفسِها، والفاعِلُ ضَميرٌ مُفرَدٌ أقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه الوَلِيّ. فمَن أُعطِيَ النُّفوذَ في نِصفِ الجُملةِ قُيِّدَ في نِصفِها الآخَر، ولم يَفصِلْ بَينَ العَطاءِ والقَيدِ آيةٌ ولا جُملةٌ مُستَأنَفة، فالذي بَينَهُما حَرفُ عَطفٍ واحِد.

والسَّرَفُ من س-ر-ف، ومَعناه جَرَيانٌ يَمضي حتّى يُفارِقَ مَجراه، فالمَنهِيُّ عَنه مُفارَقةُ المَجرى، والجَرَيانُ نَفسُه غَيرُ مَنهِيٍّ عَنه. والمَجرى ها هُنا هو السُّلطانُ الذي جُعِل، فالحَدُّ الذي يُقاسُ بِه الإسرافُ مَذكورٌ في الجُملةِ نَفسِها، لم يُجلَبْ من خارِجِها.

وجاءَ الحَرفُ «في»: «فِي القَتلِ» دونَ «عن القَتل»، فمَوضِعُ الإسرافِ داخِلَ الفِعلِ لا حَولَه، والنَّهيُ عن أن يَتَجاوَزَ وهو يَقتُل، لا عن أن يَقتُل. فكانَ هذا الحَرفُ الواحِدُ حافِظاً لِما أُعطِيَ، قاصّاً لِما زاد.

«إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا»: ضَميرٌ لا تَحسِمُه الآية

والضَّميرُ في «إنَّه» يَحتَمِلُ الوَلِيَّ، إذ هو أقرَبُ مَذكور، ويَحتَمِلُ المَقتولَ مَظلوماً، إذ هو صاحِبُ القِصّة. ولم تَقطَعِ الآيةُ بِواحِدٍ مِنهُما، فيُعلَنُ الاحتِمالانِ مَعاً ولا يُرَجَّحُ أحَدُهُما على الآخَر.

و«مَنصورًا» اسمُ مَفعولٍ لم يُسَمَّ لَه ناصِر، على نَحوِ ما لم يُسَمَّ في هذا المَقطَعِ من قَبلُ لائِمٌ ولا حاسِر، والنَّصرُ لَه مَدخَلُه في المُعجَم. وعلى الوَجهَينِ يَبقى الخَتمُ ماسِكاً: فإن كانَ الضَّميرُ لِلوَلِيِّ فقد جاءَ نَصرُه بَعدَ تَقييدِه لا قَبلَه، وإن كانَ لِلمَقتولِ فالنَّصرُ قائِمٌ لِمَن لا يَدَ لَه. وكِلا الوَجهَينِ يَمنَعُ أن يُحمَلَ السُّلطانُ على الإطلاق.


حَصيلة

وحاصِلُ الآيةِ مَفعولٌ يَحمِلُ حُكمَه في صِلَتِه: نَفسٌ حَرَّمَها اللهُ، والحُرمةُ في جِذرِها حَوزٌ لا سورٌ يُبنى. ثُمَّ استِثناءٌ بِالباءِ يُسَمّي مُصاحِباً ولا يَعُدُّ صُوَراً، فمَن فَصَّلَ ما لم تُفَصِّلْه الآيةُ فقد زادَ فيها. ثُمَّ فِعلٌ مَبنِيٌّ لِلمَجهولِ يُبقي القاتِلَ بِلا اسمٍ في الآيةِ كُلِّها، وحالٌ تَقصُرُ الحُكمَ على مَن وَقَعَ عَلَيه القَتلُ مَظلوماً. ثُمَّ نُفوذٌ يوضَعُ وَضعاً في أقرَبِ يَدٍ إلى الدَّم، تَتلوه فاءٌ واحِدةٌ تَقلِبُ الجُملةَ على صاحِبِها: لا يُسرِف. والمَجرى الذي يُقاسُ عَلَيه السَّرَفُ هو النُّفوذُ الذي جُعِلَ لَه قَبلَ ذلك في الجُملةِ نَفسِها، و«في القَتلِ» تَجعَلُ التَّجاوُزَ داخِلَ الفِعلِ لا حَولَه. ثُمَّ خَتمٌ بِضَميرٍ لا يُحسَم، ونَصرٌ لم يُسَمَّ ناصِرُه. فاليَدُ التي أُعطِيَتِ السُّلطانَ مُمسَكةٌ في الجُملةِ التي أعطَتْها إيّاه.