الإسراء · الآية 31
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ»: الخِطابُ يَتَّسِع، والصِّلةُ داخِلَ المَنهِيِّ عَنه
كانَ الخِطابُ قَبلَ قَليلٍ مُفرَداً: يَدُكَ، عُنُقُكَ، رَبُّكَ. وهُنا يَنتَقِلُ إلى الجَمع: «لا تَقتُلوا». مَسأَلةٌ خَرَجَت من كَفٍّ واحِدةٍ إلى قَومٍ يُخاطَبونَ مَعاً.
ولم يَقُلْ «الأطفالَ» ولا «النُّفوسَ». قالَ «أولادَكُم»، فأضافَ المَقتولينَ إلى القاتِلين. والصِّلةُ مَكتوبةٌ داخِلَ اللَّفظِ المَنهِيِّ عن قَتلِه، فلا يُقرَأُ الفِعلُ إلّا وفيه نِسبَتُه. والقَتلُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، وكَذلك الوَلَد.
«خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ»: العِلّةُ خَشيةٌ، لا إملاقٌ واقِع
«خَشيةَ» مَنصوبةٌ مَفعولاً لأجلِه. وهذه ثاني عِلّةٍ مَنصوبةٍ في هذا المَقطَع: هُناكَ كانَتِ العِلّةُ ابتِغاءً فأجازَتْ، وهُنا خَشيةٌ فلَم تُجِزْ شَيئاً. النَّحوُ واحِدٌ والحُكمُ مُختَلِف، فلَيسَ ذِكرُ العِلّةِ في نَفسِه عُذراً.
ثُمَّ دَقِّقْ في المُضاف. لم تَقُلِ الآيةُ «لا تَقتُلوهُم إملاقاً» ولا «مِن إملاق». قالَت «خَشيةَ إملاقٍ». فالمَذكورُ عِلّةً حالٌ في صَدرِ القاتِل، لا حالٌ في كِيسِه. والفِعلُ يَقَعُ على بَدَنٍ حاضِر، وعِلَّتُه شَيءٌ لم يَحضُرْ بَعد. الخَشيةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والذي تَزيدُه الآيةُ عَلَيه أنَّها جَعَلَتْها هُنا بِمَنزِلةِ السَّبَبِ المُصَرَّحِ بِه.
و«إملاقٍ» مُنَكَّرةٌ غَيرُ مُعَرَّفة: لَيسَ إملاقاً بِعَينِه يُشارُ إليه، بَل جِنسٌ مُبهَمٌ مُحتَمَل. وهو من م-ل-ق: انسِيابٌ يَمضي حتّى يَنقَطِع، فيَبقى المَوضِعُ أملَسَ لا يَعلَقُ بِه شَيء. ومنه «المَلَقةُ» الصَّخرةُ المَلساءُ لا يَثبُتُ عَلَيها قَدَمٌ ولا زَرع. فالمَخوفُ صَفاءٌ من كُلِّ شَيءٍ حتّى لا يَبقى ما يُمسَك.
«نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ»: التَّرتيبُ هو الجَواب
جاءَتِ الجُملةُ بِلا فاءٍ ولا واو. لا تَعليلَ ولا عَطف: استِئنافٌ يَقَعُ كما تَقَعُ اليَدُ على الكَتِف. وقُدِّمَ «نَحنُ» على فِعلِه، والمُبتَدَأُ إذا تَقَدَّمَ على خَبَرٍ فِعلِيٍّ أفادَ التَّخصيص. فالجَوابُ لَيسَ «سَيُرزَقون»، بَل تَسمِيةُ الرّازِقِ قَبلَ ذِكرِ الرِّزق.
ثُمَّ التَّرتيب، وهو مَوضِعُ الوُقوف. «نَرزُقُهُم» أوَّلاً، ثُمَّ «وإيّاكُم». الضَّميرُ في «نَرزُقُهُم» مُتَّصِلٌ لاصِقٌ بِالفِعل، والثّاني مُنفَصِلٌ مَنصوبٌ قائِمٌ بِنَفسِه. فالأولادُ داخِلونَ في بِنيةِ الفِعل، والآباءُ مَعطوفونَ بَعدَه بِلَفظٍ مُستَقِلّ.
وهذا التَّرتيبُ يُقرَأُ ولا يُسَوّى. العِلّةُ المَذكورةُ خَشيةٌ على المَعاش، فوَضَعَتِ الآيةُ الرِّزقَ حَيثُ وَقَعَ الفِعل: على المَقتولِ أوَّلاً. مَن خافَ أن لا يَتَّسِعَ الرِّزقُ لِاثنَينِ سَمِعَ الاثنَينِ مَذكورَينِ في نَفَسٍ واحِدٍ، والصَّغيرُ فيهِما أوَّلاً.
«إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا»: الحُكمُ يُسَمّي الفِعلَ بِاسمِه
لم تَقُلْ «إنَّ ذلكَ» ولا «إنَّه». أعادَتِ المَصدَرَ صَريحاً: «قَتلَهُم». فالفِعلُ الذي نُهِيَ عَنه في أوَّلِ الآيةِ يُذكَرُ بِاسمِه في آخِرِها، بِلا كِنايةٍ تُخَفِّفُه. وأُضيفَ إليهِم كما أُضيفَ الأوَّلُ إلى آبائِهِم، فبَقِيَتِ النِّسبةُ ظاهِرةً في الطَّرَفَين.
و«كانَ» لِلثُّبوتِ لا لِمُضِيٍّ مَضى. والوَصفُ «خِطْئًا» بِكَسرِ الخاء، لا «خَطَأً» بِفَتحِها. والحَرَكةُ وَحدَها تَفصِلُ بَينَ اللَّفظَين: الأوَّلُ اسمٌ لِلجُرمِ يُقصَد، والثّاني لِما يَقَعُ عن غَيرِ قَصد. فالنَّصُّ يَختارُ البِنيةَ التي لا يُعتَذَرُ فيها بِعَدَمِ العَمد.
ثُمَّ «كَبيرًا»، من ك-ب-ر: تَراكُمٌ مَكتومٌ يَنفَتِحُ فيَمتَدُّ ويَزيدُ على قَدرِه الأوَّل. فالكِبَرُ في الجَذرِ زِيادةٌ جارِيةٌ لا حَجمٌ ثابِت. فِعلٌ عِلَّتُه خَوفٌ من نَقصٍ آتٍ، وحُكمُه أنَّه هو الذي يَزيد.
حَصيلة
خِطابٌ يَتَّسِعُ من كَفٍّ واحِدةٍ إلى قَوم، ونَهيٌ يَحمِلُ في لَفظِ مَفعولِه نِسبةَ المَقتولِ إلى قاتِلِه. والعِلّةُ مَنصوبةٌ كَعِلّةِ الآيةِ الأولى في هذا المَقطَع، لكِنَّها هُنا خَشيةٌ لا ابتِغاء، وحالٌ في الصَّدرِ لا حالٌ في الكِيس، ومَخوفُها مُنَكَّرٌ لم يَقَعْ: انسِيابٌ يَمضي حتّى يَنقَطِعَ فيَبقى المَوضِعُ أملَسَ لا يَعلَقُ بِه شَيء. ثُمَّ جُملةٌ تَقَعُ بِلا رابِط، يُقَدَّمُ فيها الرّازِقُ على الرِّزق، ويُقَدَّمُ فيها المَقتولُ على القاتِلِ في تَرتيبِ الأرزاق، ويُذكَرُ الصَّغيرُ ضَميراً لاصِقاً بِالفِعلِ والكَبيرُ لَفظاً قائِماً وَحدَه. ثُمَّ حُكمٌ يُعيدُ اسمَ الفِعلِ ولا يُكَنّي، ويَختارُ البِنيةَ التي لا عُذرَ فيها، ويَصِفُه بِما يَزيدُ لا بِما يَثبُت. فالخَوفُ كانَ من نَقصٍ لم يَقَعْ، والحُكمُ أنَّ الفِعلَ هو الذي يَنمو.