طه · الآية 3
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إِلَّا»: استِثناءٌ يَملَأُ مَوضِعاً أُخلِيَ قَبلَه
سَبَقَ في الآيةِ قَبلَها نَفيٌ وَقَعَ على غايةٍ لا على فِعل. رُفِعَ ما كانَ في مَوضِعِ العِلّة، وبَقِيَ المَوضِعُ فارِغاً. ثُمَّ جاءَت «إلّا» فمَلَأَتْه.
ولَيسَ الاستِثناءُ هُنا مُقابَلةً بَينَ ضِدَّين. الشَّقاءُ والتَّذكِرةُ لا يَتَقابَلانِ في اللُّغة: لَيسَت التَّذكِرةُ نَقيضَ التَّعَب، ولا التَّعَبُ نَقيضَ التَّذكير. ولَو أُريدَ التَّقابُلُ لَجاءَ ما يُقابِلُ الشَّقاءَ من الرّاحةِ أو اليُسر.
فالذي جَمَعَ بَينَهُما لَيسَ المَعنى بَل المَوضِع. كِلاهُما يَقَعُ في خانةِ الغاية، فنُزِعَ من الخانةِ ما لَم يَكُنْ لَها ووُضِعَ فيها ما هو لَها. اقرَأْ مَواضِعَ الكَلامِ قَبلَ أن تَقرَأَ مَعانِيَه.
«تَذْكِرَةً»: غايةٌ تَجيءُ اسماً بَعدَ غايةٍ جاءَت فِعلاً
قِفْ عِندَ الصّورَتَين. الغايةُ المَنفِيّةُ جاءَت فِعلاً مُضارِعاً بِلام: «لِتَشْقَىٰ». والغايةُ المُثبَتةُ جاءَت اسماً مَنصوباً: «تَذْكِرَةً». صيغَتانِ مُختَلِفَتانِ لِمَوضِعٍ واحِد.
والفِعلُ المُضارِعُ يَمتَدُّ ويَتَجَدَّد، فالمَنفِيُّ حالٌ تَستَمِرُّ بِصاحِبِها. والاسمُ يَثبُتُ ولا يَتَجَدَّد، فالمُثبَتُ صِفةٌ ثابِتةٌ لِلمُنزَلِ نَفسِه. رُفِعَ ما يَجري عَلى المُخاطَب، وأُثبِتَ ما هو في الكِتابِ قائِم.
و«تَذكِرة» على وَزنِ تَفعِلة، والتَّذكيرُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه ولا يُعادُ شَرحُه هُنا. والذي تَزيدُه هذه الآيةُ عَلَيه أنَّه جاءَ نَكِرةً غَيرَ مُعَرَّفٍ ولا مُقَيَّدٍ بِمُضاف: تَذكِرةٌ، لا تَذكِرةُ كَذا.
«لِّمَن يَخْشَىٰ»: قَيدٌ على المُنتَفِعِ لا على المُنزَل
انظُرْ بِماذا تَعَلَّقَتِ اللّام. هي داخِلةٌ على «مَن» وواقِعةٌ بَعدَ «تَذكِرةً» مُباشَرة، فهي صِفةٌ لِلتَّذكِرةِ تُبَيِّنُ مَن تَقَعُ عَلَيه. ولَيسَت مُتَعَلِّقةً بِالإنزالِ في الآيةِ الأُولى.
والفَرقُ بَينَ الأمرَينِ كُلُّ الفَرق. لَو كانَتِ اللّامُ لِلإنزالِ لَقالَتِ الآيةُ إنَّ الكِتابَ لم يَنزِلْ إلّا لِطائفة. وهي إنَّما تَقولُ إنَّ التَّذكِرةَ تَجِدُ مَوقِعَها عِندَ مَن يَخشى. النّازِلُ واحِدٌ لِلجَميع، والواقِعُ مَوقِعَه عِندَ مَن فيه استِعداد.
و«مَن» مَوصولةٌ لا تُسَمّي أحَداً. لم يُذكَرْ قَومٌ ولا صِنفٌ ولا وَصفٌ ثابِت، بَل فِعلٌ مُضارِعٌ يَتَجَدَّد: «يَخشى». والخَشيةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، والذي تَزيدُه الآيةُ أنَّها جاءَت فِعلاً لا اسماً، فالبابُ مَفتوحٌ لِمَن دَخَلَه ومُغلَقٌ عَمَّن خَرَجَ منه، لا لِأَنَّه سُمِّيَ بَل لِأَنَّه فَعَلَ أو لم يَفعَل.
والفِعلُ بِلا مَفعولٍ مَذكور. لم يُقَلْ «يَخشى كَذا»، فتُرِكَ المَخشِيُّ غَيرَ مُسَمّىً كَما تُرِكَ الخاشي.
حَصيلة
مَوضِعٌ أُفرِغَ في الآيةِ قَبلَها ثُمَّ مُلِئ. رُفِعَ من خانةِ الغايةِ ما لَيسَ لَها، ووُضِعَ فيها «تَذْكِرَةً». ولَيسَ بَينَ المَرفوعِ والمَوضوعِ تَقابُلُ ضِدَّين، فالشَّقاءُ لا يُقابِلُ التَّذكيرَ في اللُّغة؛ إنَّما جَمَعَهُما مَوضِعٌ واحِدٌ في الجُملة. وتَبَدَّلَتِ الصّورةُ مَعَ المَوضِع: غايةٌ مَنفِيّةٌ جاءَت فِعلاً يَمتَدُّ ويَتَجَدَّد، وغايةٌ مُثبَتةٌ جاءَت اسماً يَثبُتُ ولا يَجري. ثُمَّ «لِّمَن يَخْشَىٰ» لامٌ مُتَعَلِّقةٌ بِالتَّذكِرةِ لا بِالإنزال، فالقَيدُ واقِعٌ على مَن تَقَعُ عِندَه لا على ما نَزَل. و«مَن» مَوصولةٌ لا تُسَمّي، والخَشيةُ فِعلٌ مُضارِعٌ يَتَجَدَّدُ لا اسمٌ يُلصَقُ بِأحَد، والمَخشِيُّ نَفسُه غَيرُ مَذكور. آيتانِ تَتَعاوَنانِ على غايةٍ واحِدة: الأُولى تُخلي المَوضِع، والثانِيةُ تَضَعُ فيه اسماً واحِداً ثُمَّ تَقولُ عِندَ مَن يَقَع.