طه · الآية 46

﴿قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ

«قَالَ» يُقابِلُ «قَالَا»

فُتِحَتِ الآيةُ التي قَبلَها بِفِعلٍ مُثَنّى، وتُفتَحُ هذه بِفِعلٍ مُفرَد.

اثنانِ قالا، وواحِدٌ قال، والصّيغتانِ مُتَجاوِرَتانِ في آيَتَينِ تُقرَآنِ مَعاً.

«لَا تَخَافَا»: اللَّفظُ يُرَدُّ عَلَيهِما نَهياً

قالا «نَخَافُ» فقيلَ لَهُما «لَا تَخَافَا»، والجِذرُ واحِد، والصّيغةُ تَنقَلِبُ فيَصيرُ الخَبَرُ نَهياً.

ولم يُذكَرْ في الجَوابِ ما خافاه، فلَيسَ فيه نَفيٌ لِأن يَفرُطَ ولا لِأن يَطغى، وقد نُهِيا عن الخَوفِ ولم يُنفَ المَخوف.

ويَجري هذا الجِذرُ في السّورةِ على ثَلاثِ صُوَر: نَهيٌ لِواحِدٍ في خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾، ثُمَّ خَبَرٌ من اثنَين، ثُمَّ نَهيٌ لِاثنَين.

والمَعنى أنَّ النَّهيَ الذي قيلَ لِواحِدٍ عِندَ العَصا يُعادُ على اثنَينِ عِندَ المَسير.

«إِنَّنِي»: الصّيغةُ نَفسُها بِضَميرٍ واحِد

قالا «إِنَّنَا»، وجاءَ الجَوابُ «إِنَّنِي».

وبَينَ الكَلِمَتَينِ حَرفٌ واحِد، وقد أُكِّدَ الخَوفُ بِأداةٍ فأُكِّدَتِ المَعِيّةُ بِالأداةِ نَفسِها.

وهو تَوكيدٌ يُقابِلُ تَوكيداً، ونونُ اثنَينِ تُقابِلُها ياءُ واحِد.

«مَعَكُمَا»: ظَرفٌ يُذكَرُ ثُمَّ يُشرَحُ بِما بَعدَه

و«مَعَ» ظَرفُ مُصاحَبة، وهي وَحدَها لا تُبَيِّنُ كَيفَ تَكونُ المُصاحَبة.

ولِذلك لم تَقِفِ الآيةُ عِندَها، فجاءَ بَعدَها فِعلانِ هُما شَرحُها الذي اختارَته لِنَفسِها.

فمَعرِفةُ هذه المَعِيّةِ تُطلَبُ فيما بَعدَ الكَلِمة، ولا يُزادُ على الفِعلَينِ شَيء.

«أَسْمَعُ وَأَرَىٰ»: فِعلانِ بِلا مَفعول

وجاءَ «أَسْمَعُ» غَيرَ مُبَيَّنٍ ما يُسمَع، و«أَرَىٰ» غَيرَ مُبَيَّنٍ ما يُرى.

فلا مَسموعَ مَذكورٌ ولا مَرئيّ، والفِعلانِ مُطلَقان، وما لَه مَفعولٌ فهو مُقَيَّدٌ بِمَفعولِه.

ومادّةُ س-م-ع جَريانٌ يَنصَبُّ فيُقبَضُ عَلَيه في الباطِن، ولا يَقِفُ السَّمعُ عِندَ بُلوغِ الصَّوتِ الأُذُن. وأصلُ ر-أ-ي مَسٌّ خَفيفٌ يَنبَثِقُ عَنه إدراكٌ يَمتَدّ.

وقد جَرى هذا الجِذرُ الثّاني في هذه السّورةِ عِلّةً على وَزنِ أفعَلَ: لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾، والمُرادُ هُناكَ جَعلُ غَيرِه يَرى، وهو هُنا الرُّؤيةُ نَفسُها مُجَرَّدةً.

واوٌ بَعدَ «أو» مَرَّتَين

وفي الآيةِ التي قَبلَ اثنَتَينِ غايَتانِ عُطِفَتا بِـ«أو»: يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾، وفي التي تَليها مَخوفانِ عُطِفا بِـ«أو».

وعُطِفَ هُنا اثنانِ بِالواو: «أَسْمَعُ وَأَرَىٰ».

فهذه ثَلاثُ آياتٍ مُتَتالِيةٍ في كُلِّ واحِدةٍ مِنها اثنان، وما رُجِيَ يَكفي فيه واحِد، وما خيفَ يَكفي فيه واحِد، أمّا ما أُجيبا بِه فلا يَنقَسِم.


حَصيلة

«قَالَ» مُفرَدٌ يُقابِلُ «قَالَا» مُثَنّىً في الآيةِ قَبلَه. و«لَا تَخَافَا» يَرُدُّ عَلَيهِما لَفظَهُما نَهياً بَعدَ أن كانَ خَبَراً، ولم يُنفَ في الجَوابِ واحِدٌ من المَخوفَين، فقد نُهِيا عن الخَوفِ ولم يُنفَ ما خافاه، والجِذرُ يَجري في السّورةِ نَهياً لِمُفرَدٍ فخَبَراً من مُثَنّىً فنَهياً لِمُثَنّى. و«إِنَّنِي» هي صيغةُ «إِنَّنَا» بِضَميرٍ واحِد، فالتَّوكيدُ يُقابِلُ التَّوكيد. و«مَعَكُمَا» ظَرفُ مُصاحَبةٍ لا يُبَيِّنُ وَحدَه كَيف، ولِذلك لم تَقِفِ الآيةُ عِندَه، وأتبَعَته بِفِعلَينِ هُما شَرحُه الذي اختارَته لِنَفسِها، فلا يُزادُ عَلَيهِما. و«أَسْمَعُ وَأَرَىٰ» مُضارِعانِ بِلا مَفعولٍ يُقَيِّدُهُما، والسَّمعُ في جِذرِه انصِبابٌ يُقبَضُ عَلَيه في الباطِن، والرُّؤيةُ مَسٌّ خَفيفٌ يَنبَثِقُ عَنه إدراكٌ يَمتَدّ، وقد جاءَ هذا الجِذرُ في السّورةِ على وَزنِ أفعَلَ في مَقامِ الإراءة، فجاءَ هُنا مُجَرَّداً. وعُطِفَ الفِعلانِ بِالواوِ بَعدَ آيَتَينِ عُطِفَ في كُلٍّ مِنهُما اثنانِ بِـ«أو»، فالرَّجاءُ يَكفي فيه واحِد، والخَوفُ يَكفي فيه واحِد، وما أُجيبا بِه لا يَنقَسِم.