طه · الآية 47

﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ

«فَأْتِيَاهُ»: الفِعلُ يَتَعَدّى بِنَفسِه بَعدَ أن كانَ بِحَرف

كانَ الأمرُ الأوَّلُ «اذْهَبَا إِلَىٰ»، وهذا «فَأْتِيَاهُ» بِلا حَرف.

والذَّهابُ يَحتاجُ إلى «إلى» لِأنَّ بَينَ الذّاهِبِ ومُنتَهاهُ مَسافة، والإتيانُ يُلصِقُ المَفعولَ بِالفِعلِ لِأنَّ المَسافةَ قد انقَضَت.

وفي سُقوطِ الحَرفِ تُقرَأُ نِهايةُ الطَّريق.

«فَقُولَا»: أمرٌ بِالقَولِ يُعادُ بِلَفظِه ويُبَدَّلُ ما فيه

وقد جاءَت «فَقُولَا» في هذه السّورةِ قَبلَ ثَلاثِ آيات: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾.

فوُصِفَ القَولُ هُناكَ ولم يُذكَرْ مَضمونُه، ويُذكَرُ المَضمونُ هُنا ولا يُوصَفُ القَول.

فهُما أمرانِ بِلَفظٍ واحِد، أحَدُهُما يُعطي الهَيئةَ، والآخَرُ يُعطي النَّصّ.

«إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ»: خَبَرٌ مُثَنّىً ونِسبةٌ إلى المُخاطَب

و«رَسُولَا» مُثَنّىً حُذِفَت نونُه لِلإضافة، فهُما اثنانِ يُخبِرانِ عن أنفُسِهِما بِوَصفٍ واحِد.

والمُضافُ إلَيه «رَبِّكَ»، دونَ «رَبِّنَا».

وقد قالا قَبلَ آيَتَينِ «رَبَّنَا» في النِّداء، فلَمّا صارَ القَولُ إلى المَقولِ لَه نُسِبَ الرَّبُّ إلَيه هو.

ويُعادُ ذلك في الآيةِ نَفسِها: «مِّن رَّبِّكَ»، فتَقَعُ كافُ الخِطابِ مَرَّتَينِ على الكَلِمةِ نَفسِها.

«فَأَرْسِلْ»: الجِذرُ يَعودُ أمراً بَعدَ أن كانَ وَصفاً

قالا «رَسُولَا» ثُمَّ قالا «فَأَرْسِلْ»، والجِذرُ واحِد، وبَينَ اللَّفظَينِ كَلِمَتان.

فمَن أُخبِرَ بِأنَّهُما مُرسَلانِ يُطلَبُ مِنه أن يُرسِل، والوَصفُ الذي قَدَّماهُ عن أنفُسِهِما يَصيرُ الفِعلَ الذي يُطلَبُ مِنه.

والأمرُ مُفرَدٌ مُوَجَّهٌ إلَيه بَينَ أمرَينِ مُثَنَّيَينِ لَهُما، فهي فِعلانِ لِاثنَينِ وفِعلٌ لِواحِدٍ في آيةٍ واحِدة.

«مَعَنَا»: ظَرفُ المَعِيّةِ يَنتَقِلُ

وفي الآيةِ قَبلَها: إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾، وفي هذه: «مَعَنَا».

فالظَّرفُ نَفسُه في آيَتَينِ مُتَتالِيَتَين، أُعطِيَ لَهُما فطَلَباهُ لِغَيرِهِما.

والمَطلوبُ إرسالٌ مَعَ مُصاحَبة، وليسَ إطلاقاً إلى حَيثُ يَشاؤون.

«وَلَا تُعَذِّبْهُمْ»: نَهيٌ يَتلو الطَّلَب

والفِعلُ على وَزنِ فَعَّل، وتَشديدُ عَينِه يُكَثِّرُ الحَدَثَ ويُتابِعُه.

وع-ذ-ب إمساكٌ يَنفُذُ فيه ما يُؤلِمُ ولا يُطلَقُ صاحِبُه، فالمَنهِيُّ عَنه حَبسٌ مُتَتابِع، لا ضَربةٌ واحِدة.

فهو طَلَبٌ ثُمَّ نَهي، ومَعناهُما: أطلِقْهُم، ولا تُمسِكْهُم في هذا.

«قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ»: جَمعٌ يُخبَرُ عنه بِمُفرَدٍ نَكِرة

و«قَدْ» مَعَ الماضي لِلتَّحقيق، والخَبَرُ يَعقُبُ الطَّلَب، وجاءَ القَولُ بِلَفظِ: قد جِئنا، دونَ: سَنَأتي.

وقد قيلَ لَهُما قَبلَ خَمسِ آيات: بِآيَاتِي﴾، جَمعاً مُضافاً إلى ياءِ المُتَكَلِّم.

ويُخبِرانِ هُنا بِـ«بِآيَةٍ»: مُفرَدةٍ نَكِرةٍ مَجرورةٍ بِـ«مِنْ» إلى «رَبِّكَ».

فقد أُعطِيا جَمعاً وقالا واحِدة، والباءُ في المَوضِعَينِ واحِدة.

«وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ»: خِتامٌ لَه شَرط

والجُملةُ مُبتَدَأٌ مُعَرَّفٌ بِأل خَبَرُه جارٌّ ومَجرور: «السَّلَامُ» ثُمَّ «عَلَىٰ».

وأوثِرَ «عَلَىٰ مَنِ» على «والسَّلامُ عَلَيك»، و«مَن» مَوصولةٌ عامّةٌ لا تُعَيِّنُ أحَداً.

وصِلَتُها فِعلٌ ماضٍ: «اتَّبَعَ»، دونَ مُضارِعٍ يُرتَقَبُ أو وَعدٍ يُقبَل، فالشَّرطُ اتِّباعٌ قد وَقَع.

و«اتَّبَعَ» على وَزنِ افتَعَل، وهو أخذُ الفِعلِ لِلنَّفسِ باختِيارِ صاحِبِه، فالمَشروطُ فِعلٌ، لا انتِساب.

و«الْهُدَىٰ» مُعَرَّفٌ بِأل، وقد طُلِبَ في أوَّلِ هذا الخَبَرِ نَكِرةً عِندَ نار: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾، فما التُمِسَ نَكِرةً في أوَّلِ الطَّريقِ يُشتَرَطُ اتِّباعُه مُعَرَّفاً في آخِرِ الرِّسالة.

فالسَّلامُ مَعروضٌ ومُعَلَّقٌ في آنٍ واحِد، مَبذولٌ لِمَن شاءَ، ومَمنوعٌ حتّى يَقَعَ الفِعل.


حَصيلة

«فَأْتِيَاهُ» يَتَعَدّى بِنَفسِه بَعدَ أن عُدِّيَ الذَّهابُ بِـ«إلى»، فسُقوطُ الحَرفِ هو انقِضاءُ المَسافة. و«فَقُولَا» يُعيدُ أمراً جاءَ قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ مَوصوفَ الهَيئةِ مَسكوتاً عن مَضمونِه، فيَجيءُ هُنا مَذكورَ المَضمونِ بِلا وَصف. و«إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ» خَبَرٌ مُثَنّىً حُذِفَت نونُه لِلإضافة، والرَّبُّ مَنسوبٌ إلى المَقولِ لَه دونَهُما، وقد نادَيا قَبلَ آيَتَينِ بِـ«رَبَّنَا»، ويُعادُ ذلك في «مِّن رَّبِّكَ». و«فَأَرْسِلْ» من جِذرِ «رَسُولَا» نَفسِه، فيَصيرُ الوَصفُ الذي قَدَّماهُ عن أنفُسِهِما فِعلاً يُطلَبُ مِنه، وهو أمرٌ مُفرَدٌ بَينَ أمرَينِ مُثَنَّيَين. و«مَعَنَا» يَنقُلُ ظَرفَ المَعِيّةِ من الآيةِ قَبلَه: أُعطِيا مَعِيّةً فطَلَبا مُصاحَبةً لِغَيرِهِما. و«لَا تُعَذِّبْهُمْ» نَهيٌ على وَزنِ فَعَّل، والجِذرُ إمساكٌ يَنفُذُ فيه ما يُؤلِمُ ولا يُطلَق. ثُمَّ «قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ»: تَحقيقٌ في الماضي، ومُفرَدةٌ نَكِرةٌ بَعدَ أن أُعطِيا جَمعاً في «بِآيَاتِي». والخِتامُ «وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ»: مُبتَدَأٌ مُعَرَّفٌ وخَبَرٌ جارٌّ ومَجرور، و«مَنْ» عامّةٌ لا تُعَيِّن، وصِلَتُها ماضٍ على وَزنِ افتَعَلَ، فالشَّرطُ فِعلٌ وَقَعَ باختِيارِ صاحِبِه، غَيرُ وَعدٍ ولا انتِساب، و«الْهُدَىٰ» مُعَرَّفٌ بَعدَ أن التُمِسَ في أوَّلِ هذا الخَبَرِ نَكِرةً عِندَ نار.