النازعات · الآية 22

﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ

«ثُمَّ أَدْبَرَ»: مُهلةٌ تَسبِقُ إدارةَ الظَّهر

وما قَبلَ هذه الآيةِ مَشدودٌ بِالفاءِ والواو: فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ﴾، فهُما فِعلانِ يَقَعانِ في نَفَسٍ واحِد، ثُمَّ جاءَت «ثُمَّ» فَفَتَحَت فُرجة. فالفاءُ تُلصِقُ الفِعلَ بِالفِعل، و«ثُمَّ» تُباعِدُ بَينَهُما، ولِذلك كانَ بَينَ الإدبارِ والتَّكذيبِ مُهلة، فلم يَكُنِ الإدبارُ ارتِدادَ لَحظةٍ مُنفَعِلة.

و«أدبَرَ» من د-ب-ر، والدُّبُرُ ما وَراءَ الوَجه، فأدبَرَ جَعَلَ دُبُرَه إلى ما كانَ يُقابِلُه. وأوثِرَت هذه الكَلِمةُ على «ذَهَبَ» و«انصَرَفَ»، لأنَّها تَصِفُ الجِهةَ التي أُديرَت، لا المَسافةَ التي قُطِعَت. ولم تَذكُرِ الآيةُ ما أُدبِرَ عَنه، فالفِعلُ بِلا مَفعول، والمَتروكُ يُعرَفُ ممّا سَبَق، والإدبارُ على هذا مَقيسٌ بِالوَجهِ لا بِالخُطوة.

«يَسْعَىٰ»: جِدٌّ لا يُصَحِّحُ جِهة

و«يَسعى» مُضارِعٌ بَعدَ ماضٍ، فهو حالٌ تُقارِنُ الإدبارَ لا فِعلٌ يَتلوه، والمَعنى: أدبَرَ ساعِياً. والسَّعيُ من س-ع-ي جَرَيانٌ مُمتَدٌّ يَلتَحِمُ بِمَقصَدِه فلا يَقِف، فما في الآيةِ فُتورٌ ولا تَثاقُل، إذ الظَّهرُ مُدارٌ والقَدَمُ مُسرِعة، والقُوّةُ كُلُّها مَبذولةٌ في الجِهةِ التي أُديرَ إلَيها الوَجه.

وتَعودُ الكَلِمةُ نَفسُها في هذه السّورة: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ﴾، فالسَّعيُ هُنا يُدبِرُ بِصاحِبِه، وهُناكَ يُستَحضَرُ فيُعرَض، واللَّفظُ واحِدٌ في المَوضِعَين، والفارِقُ بَينَهُما في الجِهةِ دونَ الجُهد، إذ ليسَ كُلُّ راكِضٍ مُقبِلاً.


حَصيلة

ثَلاثُ كَلِماتٍ تُقيمُ حَرَكةً كامِلة: «ثُمَّ» تَفتَحُ مُهلةً بَينَ التَّكذيبِ وما بَعدَه، فلا يَنزِلُ الإدبارُ ارتِجالاً، و«أدبَرَ» يَصِفُ إدارةَ الوَجهِ لا قَطعَ المَسافة، وقد خَلا من المَفعولِ فبَقِيَ المَتروكُ مَعروفاً بِما سَبَقَه، غَيرَ مُسَمّىً في اللَّفظ. و«يَسعى» حالٌ تُقارِنُ الإدبار، والسَّعيُ في جِذرِه انسِيابٌ لاصِقٌ بِمَقصَدِه لا يَقِف، فيَجتَمِعُ في الآيةِ ظَهرٌ مُدارٌ وقَدَمٌ مُجِدّة. ثُمَّ تَعودُ الكَلِمةُ في السّورةِ نَفسِها حَيثُ يُستَحضَرُ السَّعيُ كُلُّه، فتَكونُ هذه الحَرَكةُ مَحفوظةً لا مُنقَضِيَة، والجِدُّ يُثبِتُ الجِهةَ ولا يُنشِئُها.