النازعات · الآية 21

﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ

«فَكَذَّبَ»: فاءٌ تُلصِقُ الرَّدَّ بِما رُئي

والفاءُ هُنا لِلتَّعقيبِ بِلا مُهلة، فقد وُضِعَتِ العَلامةُ في الآيةِ قَبلَها ثُمَّ جاءَ الرَّدُّ مُلتَصِقاً بِها. وسَتَفتَحُ «ثُمَّ» في الآيةِ التي تَليها فُرجةً: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾، وأمّا في هذا المَوضِعِ فلا فُرجة.

وأصلُ ك-ذ-ب إخراجُ ظاهِرٍ يُخالِفُ ما كُتِمَ في الباطِن، فالجِذرُ يَدُلُّ على فُرقةٍ بَينَ ما أظهَرَ صاحِبُه وما كَتَم، ولا يَدُلُّ على أنَّه أخطَأ، ولِذلك كانَتِ الكَلِمةُ وَصفاً لِمَسافةٍ داخِلَ الرَّجُلِ نَفسِه.

وجاءَ على وَزنِ فَعَّلَ، وتَشديدُ عَينِه يُكَثِّرُ الحَدَثَ ويُتابِعُه، فهو تَكذيبٌ مُتَتابِعٌ، غَيرُ كَلِمةٍ تُقالُ مَرّةً ثُمَّ تُنسى. وجاءَ بِلا مَفعول، فلَم يُذكَرْ ما وَقَعَ عَلَيه التَّكذيب، إذ هو قائِمٌ في الآيةِ التي قَبلَه، فيُعرَفُ المُكَذَّبُ بِمَوضِعِه دونَ تَسمِيَتِه.

«وَعَصَىٰ»: واوٌ تَجمَعُ ولا تُرَتِّب

وعُطِفَ «عَصى» بِالواوِ دونَ الفاء، فالفِعلانِ مَجموعانِ غَيرُ مُتَتابِعَين، وهُما حالٌ واحِدةٌ قيلَت بِكَلِمَتَين، لا مَرحَلةٌ تَلي مَرحَلة.

وع-ص-ي في أصلِه ظُهورٌ يَخرُجُ من عُمقٍ ثُمَّ يُطبِقُ إطباقاً صُلباً فيُمسِكُ وِجهَتَه ولا يُثنى عَنها، ومِنه «استَعصى الأمرُ» إذا صَلُبَ فلم يَنقَدْ لِمَن عالَجَه. فالكَلِمةُ صَلابةٌ تُمسِكُ جِهَتَها، ولا تَرَدُّدَ فيها ولا تَلَكُّؤ، وهذا مُوافِقٌ لِما وُصِفَ بِه من قَبل: مَن جاوَزَ حَدَّه لا يَرجِعُ إلَيه بِعَرضٍ يُعرَضُ عَلَيه.

وهذا الفِعلُ أيضاً بِلا مَفعول، ويُقالُ في الكَلامِ «عَصى أمرَه»، ولم يَرِدْ ذلك هُنا، فهُما فِعلانِ في آيةٍ واحِدةٍ لم يُسَمَّ لِواحِدٍ مِنهُما ما وَقَعَ عَلَيه.

فِعلانِ يُقابِلانِ عَرضاً كانَ شَطرَين

جاءَ العَرضُ في آيَتَينِ تَحتَ سُؤالٍ واحِد: شَطرٌ يَفعَلُه بِنَفسِه على نَفسِه، وشَطرٌ يُفعَلُ بِه من غَيرِه، ثُمَّ جاءَ الرَّدُّ في كَلِمَتَين، فهُما اثنانِ في مُقابَلةِ اثنَين.

ومَعَ «طَغَىٰ» في الآيةِ السّابِعةَ عَشرةَ تَصيرُ ثَلاثةَ أفعالٍ ماضِيَةٍ يُوصَفُ بِها الرَّجُل، ولم يُذكَرْ لِواحِدٍ مِنها مَفعول، فهو يُوصَفُ بِما قامَ فيه، وليسَ بِما وَقَعَ مِنه على غَيرِه.

وقد ذُكِرَ قَبلَ آيةٍ أنَّه أُرِيَ العَلامة، ور-أ-ي مَسٌّ خَفيفٌ يَنبَثِقُ عَنه إدراكٌ يَمتَدّ، فالإراءةُ بَلَغَتِ العَين، وما بَلَغَ العَينَ لا يَملِكُ أن يَبلُغَ القَلب.


حَصيلة

كَلِمَتانِ تَرُدّانِ على آيَتَينِ من عَرضٍ وآيةٍ من إراءة. فالفاءُ تُلصِقُ الرَّدَّ بِالعَلامةِ بِلا مُهلة، والآيةُ التي تَلي هذه سَتَفتَحُ مُهلةً بِـ«ثُمَّ»، فتَختَلِفُ الأداتانِ في المَوضِعَين. و«كَذَّبَ» من ك-ذ-ب: إخراجُ ظاهِرٍ يُخالِفُ ما كُتِمَ في الباطِن، فالكَلِمةُ تَصِفُ فُرقةً داخِلَ الرَّجُلِ لا خَطَأً في نَظَرِه، وهي على فَعَّلَ، فالحَدَثُ مُتَتابِعٌ لا مَرّةٌ واحِدة. و«عَصى» مَعطوفٌ بِواوٍ لا بِفاء، فهُما حالٌ واحِدةٌ في كَلِمَتَين، وع-ص-ي خُروجٌ صُلبٌ ثابِتٌ يُمسِكُ وِجهَتَه ولا يُثنى عَنها. وكِلا الفِعلَينِ بِلا مَفعولٍ مَذكور، كَما جاءَ «طَغَىٰ» قَبلَهُما بِلا مَفعول، فهي ثَلاثةُ أفعالٍ تَصِفُ الرَّجُلَ بِما قامَ فيه. وقد وُضِعَتِ العَلامةُ في مَرمى عَينِه، والإراءةُ في جِذرِها مَسٌّ خَفيف، فأكبَرُ ما يُرى يَبلُغُ العَينَ ولا يَملِكُ أن يَبلُغَ ما وَراءَها.