النازعات · الآية 27

﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا

«أَأَنتُمْ»: التِفاتٌ يَضَعُ السامِعَ في الكِفّة

كانَ الكَلامُ قَبلَ هذا عن غائِبينَ يُحكى قَولُهُم: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾، ثُمَّ التَفَتَ الخِطابُ فصارَ في وَجهِ المُخاطَبِ رَأساً: «أَأَنتُم»، فالغائِبُ صارَ حاضِراً، والسُّؤالُ الذي كانَ يُنقَلُ عَنه صارَ سُؤالاً عَلَيه.

وتَقديمُ الضَّميرِ بَعدَ هَمزةِ الاستِفهامِ يَنقُلُ السُّؤالَ من الفِعلِ إلى صاحِبِه، فقد بُدِئَ بِـ«أنتُم» دونَ «أَشَدُّ خَلقاً أنتُم»، فصارَ المَوزونُ «أنتُم» لا الخَلق. وهكذا يُطلَبُ مِمَّنِ استَبعَدَ أن يُعادَ أن يَقِفَ في الكِفّةِ أوَّلاً، ثُمَّ يَنظُرَ ما يُقابِلُه.

«أَشَدُّ خَلْقًا»: إحكامُ العَقدِ لا كِبَرُ الحَجم

والشِّدّةُ في ش-د-د ضَمٌّ مُحكَمٌ يَمنَعُ الانحِلال، ومِنه شَدُّ الوِثاق، أي إحكامُ رَبطِه حتّى لا يَنفَكّ، ومَن بَلَغَ أَشُدَّه استَحكَمَ بِناؤُه فلم يَعُدْ يَنحَلّ. فالمُفاضَلةُ هُنا في مَتانةِ العَقدِ لا في سَعةِ الجِرم.

و«خَلْقاً» تَمييزٌ يُعَيِّنُ جِهةَ المُفاضَلةِ فيَحصُرُها. والخَلقُ مادّتُه خ-ل-ق: نُفوذٌ يَمتَدُّ إلى صورةٍ مَقطوعةٍ على حَدٍّ مَعلوم، ومِنه خَلقُ الأديم، أي تَقديرُه قَبلَ قَطعِه. فالسُّؤالُ إذَن عن أيِّ التَّقديرَينِ أشَدُّ إحكاماً في صورَتِه: تَقديرُكُم أم تَقديرُ ما فَوقَكُم؟ ومَن شَكَّ في عَودِ عِظامِه فسَبيلُه أن يَزِنَ عَقدَه بِعَقدٍ أكبَرَ مِنه.

«أَمِ السَّمَاءُ»: الكِفّةُ الأُخرى مَرفوعةٌ فَوقَ الرَّأس

و«أم» هُنا مُعادِلةٌ تَطلُبُ التَّعيينَ بَينَ طَرَفَين، فلا تُقبَلُ بِنَعَم ولا بِلا. والطَّرَفُ المُقابِلُ هو المَنشورُ فَوقَ كُلِّ رَأسٍ يَنظُر، ولم يُؤتَ بِه من غَيبٍ يُخبَرُ عَنه.

والسَّماءُ من س-م-و امتِدادٌ يَجتَمِعُ ثُمَّ يَعلو ويَبقى مَوصولاً بِما تَحتَه، فهي عُلُوٌّ مَشدودٌ إلى ما دونَه، غَيرُ فَراغٍ مُنفَصِل. وقد سَمِعَت هذه السّورةُ قَبلَ قَليلٍ دَعوى أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾، فجاءَ السُّؤالُ يُشيرُ بِاليَدِ إلى ما هو أعلى.

«بَنَاهَا»: جَوابٌ لا يَنتَظِرُ الجَواب

فُتِحَ السُّؤالُ ثُمَّ لم يُنتَظَرْ رَدُّه، إذ وَقَعَت جُملةٌ خَبَرِيّةٌ قَصيرةٌ فحَسَمَتِ المَشهَد: «بَناها». وعُدِلَ عن أن يُقالَ «هي أَشَدُّ» إلى «بَناها»، لأنَّ المُقايَسةَ نَفسَها تَسقُطُ حينَ يُذكَرُ الباني.

والبِناءُ أصلُه ب-ن-ي: تَماسُكٌ يَنبَثِقُ من داخِلٍ ويَمتَدُّ قائِماً، ومِنه البُنيانُ يُمسِكُ بَعضُه بَعضاً، فالوَصفُ في تَشابُكِ الأجزاءِ دونَ الارتِفاع. والسُّؤالُ الذي ابتَدَأَ مُقايَسةً بَينَ اثنَينِ انتَهى إلى ذِكرِ ثالِثٍ صَنَعَ أحَدَهُما، ومَن وَزَنَ نَفسَه بِالسَّقفِ نَسِيَ مَن رَفَعَ السَّقف.


حَصيلة

تَلتَفِتُ الآيةُ من حِكايةِ قَولِ الغائِبينَ إلى مُخاطَبَتِهِم، وتُقَدِّمُ ضَميرَهُم لِيَقِفوا في الكِفّة، ثُمَّ تُفاضِلُ بِـ«أَشَدُّ خَلقاً»، وجِذرُ ش-د-د إحكامُ عَقدٍ يَمنَعُ الانحِلال، وجِذرُ خ-ل-ق تَقديرٌ يَنتَهي إلى حَدٍّ مَحسوم. والكِفّةُ الأُخرى «السَّماء»، ومادّةُ س-م-و امتِدادٌ يَجتَمِعُ فيَعلو مَوصولاً، وهي مَنشورةٌ فَوقَ كُلِّ ناظِر. ثُمَّ تُقطَعُ المُقايَسةُ بِجُملةٍ من فِعلٍ وضَميرِه: «بَناها»، وأصلُ ب-ن-ي تَماسُكٌ يَنبَعِثُ من داخِلٍ ويَقومُ صَرحاً، فتُقيمُ الآيةُ ميزاناً بَينَ صُنعَينِ ثُمَّ تَرفَعُ الميزانَ كُلَّه بِذِكرِ الصّانِع.