الأعلى · الآية 4

﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ

«أَخرَج»: مِن باطِنٍ إلى ظاهِر

الجِذرُ خ-ر-ج في العَرَبِيّةِ مِحوَرُه الانتِقالُ من الدّاخِلِ إلى الخارِج، ومِنه «الخُروج» (مُغادَرةُ المَكان)، و«الخَراج» (ما يَخرُجُ من الأرضِ من غَلّة)، و«الإخراج» (تَكليفُ الشَّيءِ بِالخُروج). والصّيغةُ في الآيةِ أفعَل، وَزنُ المُتَعَدّي، فالفاعِلُ هو الذي يُخرِجُ المَفعولَ من مَوضِعِه، والمَرعى يُخرَجُ إخراجاً، فلا يَخرُجُ من نَفسِه، ولا تَدفَعُه التُّربةُ بِاجتِهادِها.

وفي البَقَرةِ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾، والإخراجُ فيها مَوصولٌ بِالماءِ (الباء)، ومَوصولٌ بِالرِّزقِ (لَكُم). فالإخراجُ في القُرآنِ خُروجٌ نَحوَ مَن يَستَقبِل، وليسَ خُروجاً مُحايِداً من باطِنٍ إلى ظاهِر، والذي يُخرِجُ يَدري إلى أينَ يُخرِج.

«المَرعى»: المَوضِعُ يُسَمَّى بِما يَستَقبِلُه

والجِذرُ ر-ع-ي مِحوَرُه الاستِقبالُ بِالعَينِ والحِفظ، فالرّاعي مَن يَنظُرُ إلى ما تَحتَ يَدِه ويَحفَظُه، والرِّعايةُ النَّظَرُ المُستَمِرُّ مَعَ الحِفظ، ومِنه «رَعى الإبِلَ» (نَظَرَ إلَيها وحَفِظَها وأطعَمَها)، و«رَعى العَهدَ» (حَفِظَه ولم يَخُنْ فيه)، و«المَرعى» لِلمَوضِعِ الذي تَرعى فيه الماشِية.

والاسمُ هُنا اسمُ مَكان، عُرِفَ بِفِعلِ مَن يَستَقبِلُه. ولو جاءَ «النَّبتُ» لَكانَتِ الكَلِمةُ تَصِفُ ما خَرَجَ في نَفسِه، وقد عُدِلَ عَنه إلى «المَرعى» فوُصِفَ بِما سَيَفعَلُه فيه الحَيّ. فالأرضُ تُخرِجُ ما يَأكُلُه الحَيّ، ولا تُخرِجُ ما يَنتُجُ في حَيِّزٍ مَفصول، ولِذلك تَلتَئِمُ في الكَلِمةِ صورةُ الحَلَقةِ التي تَدورُ بَينَ الأرضِ والحَيّ.

الآيةُ كَنُقطَةٍ تَتَحَوَّل

وهذه الآيةُ نُقطةُ تَحَوُّلٍ في السّورة: فما قَبلَها أفعالٌ كَونِيّةٌ مُجمَلةٌ تَفتَحُ على كُلِّ مَخلوق، وما بَعدَها سَيَأخُذُ هذه الصّورةَ المَخصوصةَ (المَرعى) ويُحَوِّلُها إلى ما يَنقُضُها (غُثاءً أحوى)، فالإخراجُ في هذه الآيةِ مُقَدِّمةٌ لِفِعلٍ آخَرَ سَيَنزِلُ في الآيةِ التّالِية.

والقارِئُ إذ يَنطِقُ «المَرعى» يَلتَفِتُ إلى أنَّ ما يَأكُلُه غَيرُ مَوجودٍ من نَفسِه، وأنَّه أُخرِجَ لَه، فمَن أدرَكَ هذا الإخراجَ سَبَّح، ومَن نَسِيَه ظَنَّ المَرعى مُلكاً لَه. وتَفتَحُ السّورةُ هذه النُّقطةَ هُنا، ثُمَّ تُتابِعُ في الآيةِ التّالِيةِ كَيفَ يَتَحَوَّلُ المَرعى الأخضَر.


حَصيلة

يَنزِلُ الشلّالُ من الأفعالِ الكونيّةِ المُجمَلةِ إلى صورةٍ واحدةٍ بعينِها: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ﴾. فقد كانت الآياتُ السابقةُ أفعالاً تنزلُ على كلِّ مخلوقٍ بغيرِ تخصيص، وهنا يتخصَّصُ الفعلُ في صورةٍ أرضيّةٍ ملموسة. و«أَخرَج» على وزنِ أَفعَلَ من -خ-ر-ج-، ومعناه الانتقالُ من باطنٍ إلى ظاهر، والفاعلُ هو الذي يُخرِج، والمرعى لم يخرج من نفسِه. و«المَرعى» من -ر-ع-ي- اسمُ مكانٍ يُسمِّي النباتَ بما يَفعلُه في فمِ الحيّ، دونَ اسمِه النباتيّ، فهو موضعُ الرَّعي. والأرضُ تُخرجُ والحيُّ يأخذ، في حَلَقةٍ يتّصلُ بعضُها ببعض ولا ينفصلُ فيها ما يخرجُ عمّن يستقبِله. وهذه الآيةُ نقطةُ تحوُّلٍ في السورة: ما قبلَها أفعالٌ كونيّةٌ مجمَلة، وما بعدَها سيأخذُ هذه الصورةَ المخصوصةَ ويحوِّلُها، والمرعى الأخضرُ في الآيةِ التاليةِ سيصيرُ غُثاءً أحوى.