الأعلى · الآية 3
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«قَدَّر»: وَضعُ الشَّيءِ على حَدِّه
الجذرُ ق-د-ر في العربيّةِ مِحوَرُه القَطعُ المَوزون. القَدَرُ مِقدارٌ، والقُدرَةُ سُلطَةُ مَن يَستَطيعُ أن يَزِنَ الأَشياءَ بِمَوازينِها. ومنه «قَدَرتُ القِدرَ» إذا جَعَلتَ فيها مِنَ الماءِ بِقَدرِ ما تَحمِل، و«قَدَرتُ الثَّوبَ» إذا قَطَعتَه على مِقدارِ صاحِبِه. التَّقديرُ في هذه الآيَةِ تَوزينٌ لكلِّ مَخلوقٍ على ما يَنبَغي له: عُمرٌ، حَجمٌ، رِزقٌ، أَجَلٌ، وِجهَة.
والصِّيغَةُ فَعَّل (قَدَّر) بِتَضعيفِ العَين تَجعَلُ التَّقديرَ نافِذاً في التَّفصيل. لا تَقديرٌ جامِعٌ مِن خارِج، بَل تَقديرٌ يَنزِلُ إلى كلِّ جُزء. وتَتَوازى هذه الصِّيغَةُ مع «سَوَّى» في الآيَةِ السابِقَة. التَّسوِيَةُ في النِّسَبِ، والتَّقديرُ في المَقادير. التَّسوِيَةُ تَجعَلُ الجُزءَ على قَدرِ أَخيهِ، والتَّقديرُ يَجعَلُ الجُزءَ على قَدرِ ما يَنبَغي لِفِعلِه.
«فَهَدى»: التَّقديرُ يَفتَحُ بابَ الدَّلالَة
الفاءُ تَرتيبٌ بِلا مَهَل. ما إن يُقَدَّرَ شَيءٌ على مِقدارِه، حَتّى يُهدى إلى وِجهَتِه. الجذرُ ه-د-ي في العربيّةِ دَلالَةٌ نافِذَةٌ إلى مَقصِد: الهادي يَتَقَدَّمُ القَومَ ويُريهِم الطَّريق، والهَدِيَّةُ ما يُتَقَدَّمُ بِه إلى المُهدى إلَيه. والهِدايَةُ في عُمومِها أن يُجعَلَ الشَّيءُ ساعِياً إلى ما خُلِقَ لَه.
وَالهِدايَةُ في هَذِه الآيَة عامَّة: ليسَت هِدايَةَ الإنسانِ وَحدَه، بَل هِدايَةَ كلِّ مَخلوقٍ إلى ما قُدِّرَ لَه. في البَقَرَة وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾ يُهدى الماءُ إلى الحَجَر، وفي طَه رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ يَتَّسِعُ المَعنى لِيَشمَلَ كلَّ شَيء. الهَدِيُّ في كَونٍ مَوزونٍ ليسَ نُدرَة، بَل قاعِدَة. كلُّ مَخلوقٍ يَجِدُ طَريقَه لأنَّ التَّقديرَ سَبَقَه.
الآيَةُ كَجِسرٍ بَينَ التَّسوِيَةِ وَالإخراج
تَستَوي هذه الآيَةُ في وَسَطِ الشَّلّال. ما قَبلَها «خَلَقَ فَسَوَّى»، إيجادٌ يَنتَهي في تَناسُب. وَما بَعدَها «أَخرَجَ المَرعى»، تَفصيلٌ يَنزِلُ إلى صورَةٍ بِعَينِها. وَهَذِه الآيَةُ بَينَهُما: تَقديرٌ يَفتَحُ بابَ الهِدايَة، وَهِدايَةٌ تَفتَحُ بابَ الإخراج. ما يُقَدَّرُ يُهدى، وَما يُهدى يُخرَج.
وَالقارئ، إذ يَتَتَبَّعُ هذا التَّسلسُلَ في فَمِه قَبلَ ذِهنِه، يُحِسُّ كَيفَ يَتَنَزَّلُ الفِعلُ مِنَ الإجمالِ إلى التَّفصيل. خَلَقَ، فَسَوَّى، فَقَدَّر، فَهَدى، فَأَخرَج. خَمسَةُ أفعالٍ تَنزِلُ كَدَرَجٍ سُلَّمٍ إلى أَن تَستَقِرَّ في صورَةٍ مَلموسَة: المَرعى. والذي يَهدي مَن في السَّماءِ هو نَفسُه الذي يَهدي بَذرَةَ العُشبِ إلى الأَرض.
حَصيلة
تستأنفُ هذه الآيةُ الشلّالَ الكونيَّ بطرفَين متتاليَين: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾. «قَدَّر» على وزنِ فَعَّلَ بتضعيفٍ من -ق-د-ر- وضعُ الشيءِ في حدِّه المَوزون لا أقلَّ ولا أكثر: عُمرٌ، حجمٌ، رزقٌ، وِجهة. الصيغةُ المُضاعَفةُ تجعلُ التقديرَ نافذاً في كلِّ تفصيلٍ لا تقديراً جامعاً من الخارج. ثمّ الفاءُ بلا مَهَل: «فَهَدى». الجذرُ -ه-د-ي- دلالةٌ تتقدَّمُ بلُطفٍ نحوَ غاية، هدايةُ كلِّ مخلوقٍ إلى ما قُدِّرَ له: النحلةُ إلى زَهرَتِها، الجذرُ إلى الماءِ في باطنِ الأرض، الجنينُ إلى ثديِ أمِّه. ما إن يُقدَّرَ شيءٌ على مقدارِه حتى يُهدى إلى وجهتِه. وتتوازى هذه الآيةُ مع سابقتِها: «خلَقَ فَسَوَّى» إيجادٌ يتبعُه تناسُب، و«قَدَّرَ فَهَدى» تقديرٌ يتبعُه دلالة. الآيةُ جِسرٌ في وسطِ الشلّال بين التسويةِ الكونيّةِ والإخراجِ الأرضيّ الذي يأتي في الآيةِ التالية.