الغاشية · الآية 17

﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ

«أفَلا يَنظُرون»: نَظَرٌ يُستَحَثُّ بِالهَمزَةِ والفاء

تَفتَتِحُ الآيةُ بِهَمزَةِ استِفهامٍ تَحمِلُ تَوبيخاً واستِبطاء: «أَفَلا». ليسَ السؤالُ طَلَبَ خَبَر، بل حَثٌّ على فِعلٍ كانَ يَنبَغي أن يَقَعَ فلم يَقَع. والفاءُ بَعدَها تَصِلُ هذا الحَثَّ بِما قَبلَه فتَجعَلُه ثَمَرَةً له: بَعدَ ما مَضى من ذِكرِ مَصيرَين، يَأتي الالتِفاتُ إلى ما هو حاضِرٌ تَحتَ العَين.

والنَّظَرُ من ن-ظ-ر ليسَ مُجَرَّدَ وُقوعِ الصورةِ في البَصَر، بل تَوجيهُ العَينِ والقَلبِ مَعاً نَحوَ الشَّيءِ لِيُستَخرَجَ منه ما فيه. فالعِبارةُ تَلومُ قَوماً تَمُرُّ بِهِم الآياتُ فلا يُنعِمونَ فيها النَّظَر: يَرَونَ ولا يَنظُرون. والمَطلوبُ نَظَرٌ يَنفُذُ إلى «كَيف» الخَلقِ لا يَقِفُ عِندَ ظاهِرِ الجِرم.

«إلى الإبِل»: مَخلوقٌ مَألوفٌ يُساقُ شاهِداً

الإبِلُ من ء-ب-ل: ما يَجتَمِعُ ويَتَلَبَّدُ فيَلزَمُ مَوضِعَه ويَصبِرُ عليه. ومنه «أبَلَ» إذا اجتَزَأَ بالرُّطبِ عن الماءِ فصَبَرَ، و«الأبيلُ» القائِمُ على أمرٍ يَلزَمُه. فالاسمُ نَفسُه يَحمِلُ مَعنى الصَّبرِ على الشِّدَّةِ والإمساكِ بالحالِ القاسِية. وهذا الحَيوانُ هو أقرَبُ ما تَقَعُ عليه عَينُ المُخاطَبِ في بيئَتِه، لا غَريبٌ يُطلَبُ ولا بَعيدٌ يُتَكَلَّف.

وفي اختِيارِ المَألوفِ حِكمَةٌ: لا يُساقُ الشاهِدُ من أقاصي الأرض، بل مِمّا تَطَؤُه الأقدامُ كلَّ يَومٍ فلا يُنظَرُ إليه. فالآيةُ تُعيدُ تَوجيهَ العَينِ إلى ما أَلِفَته حتى عَمِيَت عنه، وتَقولُ إنَّ في القَريبِ المُهمَلِ ما لو نُظِرَ فيه لَكَفى دَليلاً.

«كَيفَ خُلِقَت»: السؤالُ عن هَيئَةِ الصُّنعِ لا عن أصلِه

«كَيف» سؤالٌ عن الهَيئَةِ والصِّفَةِ، لا عن الوُجودِ. لم يَقُل «أخُلِقَت» بل «كَيفَ خُلِقَت»: فالخَلقُ مَفروغٌ منه، والمَطلوبُ التَّأَمُّلُ في طَريقَةِ الصُّنعِ وإحكامِه. والخَلقُ من خ-ل-ق: تَقديرٌ نافِذٌ يُحكِمُ الشَّيءَ على قَدرٍ مَوزون، فلا يَخرُجُ المَخلوقُ مُتَفَلِّتاً بل مُقَدَّراً مُتقَناً.

وبِناءُ الفِعلِ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه «خُلِقَت» يُوَجِّهُ النَّظَرَ إلى الصَّنعَةِ ويَتركُ الصانِعَ وراءَها مَعلوماً بِأثَرِه. فالعَينُ تَقَعُ على المَخلوقِ، والقَلبُ يُساقُ من إحكامِ الصُّنعِ إلى مَن أحكَمَه. هذا هو النَّظَرُ المَطلوبُ: من «كَيف» الظاهِرَةِ إلى مَن أتقَنَ «الكَيفَ» كلَّه.


حَصيلة

تَستَحِثُّ الآيةُ نَظَراً مُهمَلاً: «أفَلا يَنظُرون» هَمزَةُ تَوبيخٍ وفاءُ وَصلٍ تَجعَلانِ التَّأَمُّلَ ثَمَرَةَ ما سَبَقَ من ذِكرِ المَصيرَين. والنَّظَرُ من ن-ظ-ر تَوجيهُ العَينِ والقَلبِ لِاستِخراجِ ما في الشَّيء، لا مُجَرَّدَ إبصار. والمَنظورُ إليه «الإبِل» (ء-ب-ل): مَخلوقٌ مَألوفٌ يَجمَعُ الصَّبرَ على الشِّدَّةِ، يُساقُ شاهِداً من القَريبِ المُهمَلِ لا من البَعيدِ المُتَكَلَّف. والسؤالُ «كَيفَ خُلِقَت» (خ-ل-ق): تَأَمُّلٌ في هَيئَةِ صُنعٍ مُقَدَّرٍ مُحكَم، لا في أصلِ الوُجود. فالآيةُ تَنقُلُ العَينَ من إحكامِ المَخلوقِ القَريبِ إلى مَن أحكَمَه، نَظَراً يَنفُذُ إلى «الكَيف» ولا يَقِفُ عِندَ المَألوف.