الغاشية · الآية 22

﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ

«لَّسْتَ»: نَفيٌ يَحُدُّ المَقام

تَبدَأُ الآيةُ بِنَفيٍ مُوَجَّهٍ إلى المُخاطَبِ نَفسِه: «لَستَ»، والمَنفِيُّ عنه صِفةٌ يُظَنُّ أنَّها لازِمةٌ لِمَن يُذَكِّر، دونَ فِعلٍ عَرَضيّ. فالذي قيلَ له قَبلَ هذا «فَذَكِّر» يُفهَمُ أنَّ مَهَمَّتَه تَنتَهي عِندَ التَّذكير، لا تَمتَدُّ إلى ما وَراءَه. والنَّفيُ هنا تَحديدٌ غَيرُ تَنقيص، يَضَعُ للمُخاطَبِ حَدّاً يَقِفُ عِندَه، فيُريحُه من حَملِ ما لم يُكَلَّف به.

وموقِعُ «لَستَ» في صَدرِ العِبارةِ يَجعَلُ الكلامَ كلَّه مَبنيّاً على رَفعِ صِفةٍ بِعَينِها. وقد عُدِلَ عن «لا تَقدِرُ» و«لا تَفعَل» إلى «لَستَ»، وهو نَفيُ كَينونة، فالمُرادُ أنَّ هذه الصِّفةَ خارِجةٌ عن شَأنِه أصلاً، ولم تَدخُل في ما أُرسِلَ له، ولا يَرجِعُ الأمرُ إلى عَجزٍ في القُدرة.

«عَلَيْهِم»: استِعلاءٌ مَرفوع

و«عَلَيهِم» من ع-ل-و، وهي تَحمِلُ مَعنى العُلُوِّ والاستِعلاء، أي أن يَكونَ الواحِدُ فَوقَ غَيرِه فَوقِيّةَ تَسَلُّطٍ وقَهر. وهذا العُلُوُّ بِالذّاتِ هو ما تَنفيه الآية، فالمُخاطَبُ غَيرُ مُتَسَلِّطٍ عليهم من فَوق، يَنزِلُ عليهم بِثِقَلِه فيَقهَرُهم على ما يَأبَون، والعَلاقةُ بَينَه وبَينَهم ليست عَلاقةَ غالِبٍ ومَغلوب.

وإذا قُرِئَت «عَلَيهِم» مَوصولةً بِما قَبلَها وما بَعدَها، تَبَيَّنَ أنَّ النَّفيَ يَقَعُ على هَيئةِ العَلاقة، فهي بَلاغٌ يُلقى ويُترَكُ القَلبُ حُرّاً في قَبولِه، دونَ فَوقِيَّةِ قَهر. فالتَّذكيرُ يَنفُذُ إلى السَّمعِ، ولا يَنزِلُ على الإرادةِ نُزولَ القاهِرِ على المَقهور.

«بِمُصَيْطِرٍ»: مَن يَسوقُ الصُّفوفَ فيَضبِطُها

و«مُصَيطِر» من س-ط-ر، والسَّطرُ صَفٌّ مُمتَدٌّ مَنظومٌ على نَسَقٍ واحِد، كَسَطرِ الكِتابةِ وسَطرِ الشَّجَرِ المَغروس. والمُصَيطِرُ من هذا الأصل، وهو الذي يَسوقُ غَيرَه ويَضبِطُه فيُقيمُه على السَّطرِ الذي يُريد، ويَتَوَلّى أمرَه فيَحفَظُ عليه حَركَتَه ووُقوفَه، فلا يَدَعُه يَخرُجُ عن الصَّفِّ المَرسوم.

والباءُ في «بِمُصَيطِر» تُؤَكِّدُ النَّفي، فـ«لَستَ بِمُصَيطِر» أبلَغُ من «لَستَ مُصَيطِراً»، كأنَّها تَنفي الصِّفةَ نَفياً مُلصَقاً بِها. فالمُخاطَبُ لا يَسوقُ النّاسَ سَوقَ الضّابِطِ لِصُفوفِه، ولا يُقيمُهم على سَطرٍ بِالقَهر، وحَدُّه أن يُذَكِّر، وضَبطُ القُلوبِ على الهُدى غَيرُ مَوكولٍ إليه.


حَصيلة

تَنفي الآيةُ عن المُخاطَبِ صِفةً بِعَينِها بِصيغةِ نَفيِ الكَينونة: «لَستَ». والمَنفِيُّ استِعلاءُ القَهرِ «عَلَيهِم» من ع-ل-و، زِيادةً على الفِعلِ الذي يُمكِنُ أو يَتَعَذَّر. والصِّفةُ المَرفوعةُ هي «المُصَيطِر» من س-ط-ر، وهو مَن يَسوقُ غَيرَه ويَضبِطُه فيُقيمُه على السَّطرِ الذي يُريدُ سَوقَ الضّابِطِ لِصُفوفِه، والباءُ تُلصِقُ النَّفيَ بِالصِّفةِ فتُؤَكِّدُه. فالآيةُ تَحُدُّ المَقام: التَّذكيرُ يُلقى، والقَلبُ يُترَكُ حُرّاً، فلا فَوقِيَّةَ قَهرٍ ولا ضَبطَ صُفوفٍ على الإيمانِ بِالإكراه.