الغاشية · الآية 23

﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ

«إلّا مَن»: استِثناءٌ يَقتَطِعُ فَرداً من العُموم

تَفتَتِحُ الآيةُ بِأداةِ استِثناءٍ تَخرُجُ بِما بَعدَها مِن حُكمٍ سابِق. قَبلَها رُفِعَ عن المُذَكِّرِ أن يَكونَ مُسَيطِراً مُتَسَلِّطاً، فالتَّذكيرُ تَبليغٌ لا قَهر. ثُمَّ جاءَت «إلّا مَن» لِتَقتَطِعَ من ذلك صِنفاً: ليس كلُّ مَن ذُكِّرَ سَواءً، بل ثَمَّ مَن يَتَوَلّى ويَكفُر، فهذا الذي يَخرُجُ من سَعَةِ التَّبليغِ اللَّيِّنِ إلى مَوقِفٍ آخَر.

و«مَن» اسمٌ مُبهَمٌ يَصدُقُ على كلِّ فاعِلٍ لِما يَلي، لا يُعَيِّنُ شَخصاً بِعَينِه. فالاستِثناءُ ليس فَرزاً لِأُناسٍ مَعروفينَ بِأسمائِهم، بل فَرزٌ بِالفِعل: كلُّ مَن وَقَعَ منه التَّوَلّي والكُفرُ دَخَلَ في هذا الاقتِطاع. الحُكمُ مُعَلَّقٌ بِالعَمَلِ، والبابُ مَفتوحٌ ومَسدودٌ بِحَسَبِ ما يَختارُه المُخاطَبُ لِنَفسِه.

«تَوَلّى»: إدارةُ الجِهةِ وانصِرافٌ عن المُواجَهة

الجِذرُ و-ل-ي يَدورُ على القُربِ المُتَّصِلِ وتَتابُعِ الشَّيءِ لِلشَّيء. الوَليُّ القَريبُ المُلاصِق، والوِلايةُ تَوَلّي الأمرِ والقيامُ به، وما وَليَكَ ما دَنا مِنكَ فأَمسَكَ بِجِهَتِك. فإذا جاءَت الصيغةُ «تَوَلّى» على بِناءِ التَّفَعُّلِ انقَلَبَ القُربُ إلى ضِدِّه: أدارَ المَرءُ جِهَتَه فجَعَلَ ما كانَ يُقابِلُه خَلفَه. تَوَلّى أي انصَرَفَ بِوَجهِه عمّا كانَ مُقبِلاً عليه.

فالتَّوَلّي حَرَكةٌ بِالجِهَةِ كلِّها لا بِالقَلبِ وَحدَه: المُذَكَّرُ يُدارُ إليه القَولُ فيُديرُ ظَهرَه، يُجعَلُ الذِّكرُ خَلفَه لا أمامَه. وهو يُقابِلُ «الوُجوهَ» التي افتُتِحَت بها السورة: فالوَجهُ هو الجِهةُ التي يُقابَلُ بها، والتَّوَلّي صَرفُ تِلكَ الجِهةِ عن مَوضِعِها. مَن تَوَلّى فقد سَحَبَ وَجهَه من حَيثُ يُنادى.

«وكَفَرَ»: تَغطيةٌ تَستُرُ ما هو بَيِّن

الجِذرُ ك-ف-ر يَدورُ على السَّترِ والتَّغطية. الكافِرُ في أصلِ اللسانِ الزارِعُ يَستُرُ الحَبَّ في الأرض، واللَّيلُ كافِرٌ يَستُرُ بِظُلمَتِه ما تَحتَه، والكِفرُ ما غَطّى من ثَوبٍ ودِرع. فالكُفرُ تَغطيةُ شَيءٍ حاضِرٍ بِما يَحجُبُه عن النَّظَر. وحينَ يُقالُ «كَفَرَ» في مَوضِعِ المُذَكَّرِ بَعدَ بَيانٍ فالمَعنى أنَّه سَتَرَ ما قد ظَهَرَ له، أَلقى على البَيِّنِ غِطاءً.

وعَطفُ «كَفَرَ» على «تَوَلّى» يَجمَعُ حَرَكَتَين تَتِمّانِ المَوقِف: الأُولى في الجِهةِ الظاهِرة، إدارةُ الوَجهِ؛ والثانيةُ في الباطِن، تَغطيةُ ما وَصَلَ إليه. لا يَكفي أن يُديرَ ظَهرَه حتّى يَستُرَ ما رآه، فيَجتَمِعُ الإعراضُ والإخفاءُ في فِعلٍ واحِد. الذي يُقتَطَعُ بِالاستِثناءِ هو مَن وَلّى وجهَه ثُمَّ غَطّى عَينَه.


حَصيلة

تَستَثني الآيةُ من سَعَةِ التَّذكيرِ غَيرِ المُسَيطِرِ صِنفاً يُعَرَّفُ بِفِعلِه لا بِاسمِه: «إلّا مَن». والتَّوَلّي من و-ل-ي حَرَكةٌ تَقلِبُ القُربَ المُلاصِقَ إلى انصِرافٍ بِالجِهةِ كلِّها، فيُجعَلُ الذِّكرُ خَلفاً بَعدَ أن كانَ أمامَ الوَجه. والكُفرُ من ك-ف-ر تَغطيةٌ تَستُرُ ما هو بَيِّنٌ حاضِر، كالزارِعِ يَستُرُ الحَبَّ تَحتَ التُّراب. فالآيةُ تَجمَعُ في المُقتَطَعِ حَرَكَتَين: إعراضٌ في الظاهِرِ بِإدارةِ الوَجه، وسَترٌ في الباطِنِ لِما قد ظَهَر، فيَكتَمِلُ مَوقِفُ مَن خَرَجَ عن لِينِ البَلاغِ إلى الصَّدِّ والإخفاء.