الغاشية · الآية 21
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَذَكِّرْ»: فاءٌ تَجمَعُ ما قَبلَها في أمرٍ واحِد
الفاءُ في «فَذَكِّر» تَعقِدُ هذا الأمرَ على ما سَبَقَه. مَرَّ قَبلَه نَظَرٌ مَبسوطٌ إلى ما يُشار: خَلقٌ مَنصوبٌ ومَرفوعٌ ومَسطوحٌ يُدعى السامِعُ إلى تَأَمُّلِه. فلمّا تَمَّ العَرضُ جاءَ الأمرُ مَعطوفاً عليه: «فَذَكِّر»، أي أَنزِلْ هذا المَنظورَ في القُلوبِ تَذكيراً. فالأمرُ ليس ابتِداءَ كلامٍ جَديد، بل ثَمَرةُ ما عُرِضَ قَبلَه: ما رُئِيَ يُقالُ، وما قِيلَ يُذَكَّرُ به.
وصيغةُ الأمرِ هنا مُوَجَّهةٌ إلى مُفرَدٍ مُخاطَب: «ذَكِّرْ» أنتَ. لا يُعَيِّنُ النَّصُّ شَيئاً وراءَ المُخاطَبِ نَفسِه، بل يَضَعُ على عاتِقِه فِعلاً واحِداً مَحدوداً: التَّذكير. والتَّذكيرُ بابُه ذ-ك-ر، وهو إحضارُ ما كانَ حاضِراً فغابَ، فلا يُؤتى بِجَديدٍ من خارِج، بل يُرَدُّ إلى الباطِنِ ما اختَزَنَه أوّلاً ثُمَّ نَسِيَه.
«إِنَّما»: أداةٌ تَحصُرُ الفِعلَ في حَدِّه
«إنَّما» تُثبِتُ شَيئاً وتَنفي ما عَداه في نَفَسٍ واحِد. تَقولُ: هذا هو حَدُّك لا تَتَجاوَزْه، وهذا هو حَدُّك لا تَقصُرْ عنه. فهي لا تُصَغِّرُ المُخاطَبَ ولا تُثَقِّلُه فَوقَ طاقَتِه، بل تَضَعُه في مَوضِعِه بِالضَّبط: عليه أن يُذَكِّر، وليس عليه ما وَراءَ التَّذكير. ما بَعدَ الإحضارِ في القُلوبِ ليس من بابِه.
وهذا الحَصرُ راحةٌ في صورةِ تَكليف: مَن عَرَفَ أنَّ المَطلوبَ منه التَّذكيرُ وَحدَه، لم يَحمِلْ هَمَّ ما لا يَملِك. فالآيةُ تَفصِلُ بَين فِعلٍ مَأمورٍ به، وأثَرٍ ليس إليه. التَّذكيرُ يَقَعُ مِنه، والاهتِداءُ أو الإعراضُ يَقَعُ في القَلبِ المُذَكَّرِ لا في يَدِ المُذَكِّر.
«أَنتَ مُذَكِّرٌ»: اسمٌ يَحصُرُ الدَّورَ في صورةٍ واحِدة
«مُذَكِّر» اسمُ فاعِلٍ من ذَكَّرَ، يَجعَلُ التَّذكيرَ صِفةً قائِمةً لا فِعلاً عابِراً. فالمُخاطَبُ لم يُؤمَرْ بِفِعلٍ يَنقَضي فَحَسب، بل وُصِفَ بِما هو: حامِلُ ذِكرى يُحضِرُها. والصِّفةُ تَجري على صاحِبِها فتَلزَمُه، فهو مُذَكِّرٌ حيثُ كان، لا يَنفَكُّ عنه هذا الوَصفُ ما دامَ قائِماً بِالأمرِ الأوَّل.
وفي «أنتَ مُذَكِّر» رَدٌّ لِلمُخاطَبِ إلى حَجمِه الحَقّ: هو مَن يُحضِرُ الذِّكرى، لا مَن يَخلُقُ الهُدى في القَلب. والاسمُ المُشتَقُّ من نَفسِ جِذرِ الفِعلِ يَشُدُّ الطَّرَفَين: «ذَكِّرْ» فِعلٌ، و«مُذَكِّر» مَن يَفعَلُه، فالأمرُ والوَصفُ يَلتَقيانِ في أصلٍ واحِدٍ هو الإحضارُ بَعدَ الغَيبة.
حَصيلة
تَعطِفُ الفاءُ هذا الأمرَ على ما عُرِضَ قَبلَه من خَلقٍ يُتَأَمَّل: فلمّا تَمَّ النَّظَرُ جاءَ «فَذَكِّر». والتَّذكيرُ من ذ-ك-ر إحضارُ ما اختُزِنَ في الباطِنِ فغاب، لا إتيانٌ بِجَديدٍ من خارِج. ثُمَّ تَأتي «إنَّما» فتَحصُرُ الدَّورَ في حَدِّه: عليه التَّذكيرُ وَحدَه، وما وَراءَه ليس إليه. و«أنتَ مُذَكِّر» يُحَوِّلُ الفِعلَ إلى صِفةٍ قائِمةٍ تَلزَمُ صاحِبَها، وتَرُدُّه إلى حَجمِه: حامِلُ ذِكرى يُحضِرُها، لا مالِكُ القَلبِ الذي تَنزِلُ فيه. فالآيةُ أمرٌ مَوصولٌ بِما قَبلَه، ثُمَّ تَحديدٌ لِلمَدى، يُريحُ المُخاطَبَ من حَملِ ما لا يَملِك.