الغاشية · الآية 24
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَيُعَذِّبُهُ»: فاءُ التَّعقيبِ تَصِلُ الجَزاءَ بِما قَبلَه
تَفتَتِحُ الآيةُ بِفاءٍ تَعقِبُ ما تَقَدَّمَها: مَن تَوَلّى وكَفَرَ، «فيُعَذِّبُه». والفاءُ هنا تَجعَلُ العَذابَ لاحِقاً بِالفِعلِ لُحوقَ النَّتيجةِ بِسَبَبِها، لا مُنفَصِلاً عنه ولا مُتَراخِياً: التَّوَلّي أوّلاً، ثُمَّ العَذابُ مَوصولاً به بِلا فاصِل. فليسَ العَذابُ أمراً يَنزِلُ ابتِداءً، بل هو رَجعُ ما اختارَه المُتَوَلّي إليه، يَلحَقُه كما يَلحَقُ الظِّلُّ صاحِبَه.
وأُسنِدَ الفِعلُ إلى الاسمِ الأعظَمِ صَريحاً: «فيُعَذِّبُه اللَّهُ». فلم يُترَكِ الفاعِلُ مُضمَراً، بل سُمِّيَ لِيُعلَمَ أنَّ هذا الجَزاءَ صادِرٌ عن الذي إليه المَرجِعُ كلُّه، لا عن قُوّةٍ عَمياء. والتَّشديدُ في «يُعَذِّبُ» يُفيدُ المُبالَغةَ وتَكرارَ الوَقعِ: فِعلٌ مُتَوالٍ لا ضَربةٌ واحِدةٌ تَنقَضي.
«العَذابَ»: وَقعٌ يَنفُذُ ويُمسِكُ فلا يُفلِت
الجِذرُ ع-ذ-ب يَدورُ على وَقعٍ شَديدٍ يَنفُذُ في صاحِبِه ويُمسِكُ به فلا يَنفَكُّ عنه. والعَذابُ ما يَشتَدُّ على النَّفسِ فيَأخُذُها أخذاً يُلازِمُها، لا يُخَفِّفُ ولا يَدَعُ مَوضِعاً يَستَريحُ فيه المُعَذَّب. وهو غَيرُ الألَمِ العابِرِ الذي يَمُرُّ، إذ فيه مُلازَمةٌ وشِدّةٌ تَجتَمِعان.
وجاءَ العَذابُ هنا مُعَرَّفاً بِالألِفِ واللامِ: «العَذابَ»، لا عَذاباً مُنَكَّراً عابِراً. فالتَّعريفُ يُشيرُ إلى عَذابٍ مَعهودٍ مَقصودٍ بِعَينِه، هو الذي يَستَحِقُّه المُتَوَلّي الكافِر. ثُمَّ وُصِفَ بِما يُمَيِّزُه عن كلِّ عَذابٍ سِواه: «الأكبَر».
«الأكبَرَ»: عِظَمٌ يَبرُزُ فَوقَ كلِّ عَذابٍ دونَه
الجِذرُ ك-ب-ر يَدورُ على عِظَمٍ يَبرُزُ ويَعلو على ما حَولَه. والأكبَرُ أفعَلُ تَفضيلٍ: عَذابٌ يَفوقُ كلَّ عَذابٍ آخَرَ في عِظَمِه وثِقَلِه، فَوقَه لا شَيءَ مِن جِنسِه. والوَصفُ بِالكِبَرِ يُقابِلُ ما قد يُصيبُ المُتَوَلّيَ في حَياتِه من شِدّةٍ صُغرى تَنقَضي، فهذا عَذابٌ أكبَرُ مِنها لا يُقاسُ بها.
وفي اختِيارِ «الأكبَر» دونَ «الكَبير» قَطعٌ لِكلِّ مُقارَنةٍ: ليسَ عَذاباً كَبيراً بَين عَذاباتٍ كِبار، بل هو الذي تَنتَهي إليه دَرَجاتُ العِظَمِ فلا يَعلوه عَذابٌ. ومَن تَأمَّلَ مَوقِعَه في السِّياقِ رَأى المُقابَلةَ قائِمةً: وُجوهٌ ناعِمةٌ في جَنّةٍ عاليةٍ من جانِب، ومُتَوَلٍّ كافِرٌ يَلقى العَذابَ الأكبَرَ من جانِبٍ آخَر. المَصيرانِ على قَدرِ الوِجهَتَين.
حَصيلة
تَصِلُ الفاءُ في «فيُعَذِّبُه» الجَزاءَ بِما قَبلَه وَصلَ النَّتيجةِ بِسَبَبِها: التَّوَلّي ثُمَّ العَذابُ لاحِقاً بِلا فاصِل، صادِراً عن الاسمِ الأعظَمِ المُسَمّى صَريحاً لا عن قُوّةٍ عَمياء. والجِذرُ ع-ذ-ب: وَقعٌ يَنفُذُ ويُمسِكُ فلا يُفلِت، شِدّةٌ ومُلازَمةٌ تَجتَمِعان، جاءَ مُعَرَّفاً لِعَذابٍ مَقصودٍ بِعَينِه. والجِذرُ ك-ب-ر: عِظَمٌ يَبرُزُ ويَعلو، و«الأكبَرُ» أفعَلُ تَفضيلٍ يَقطَعُ كلَّ مُقارَنةٍ فَوقَه لا عَذابَ من جِنسِه. فالآيةُ تَختِمُ مَصيرَ المُتَوَلّي بِجَزاءٍ مَوصولٍ بِفِعلِه، نافِذٍ مُلازِمٍ، في أعلى دَرَجاتِ العِظَمِ، مُقابِلاً لِنَعيمِ الوُجوهِ الناعِمةِ في الجَنّةِ العالِية.