الفجر · الآية 26

﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ

«وَلا يُوثِقُ»: نَفيٌ يُوصَلُ بِما قَبلَه

تَجيءُ الواوُ فتَصِلُ هذه الآيةَ بِما سَبَقَها وَصلَ النَّظيرِ بِالنَّظير: مَشهَدٌ واحِدٌ يُذكَرُ فيه فِعلانِ مُتَوازِيان، فِعلٌ قَبلَ هذه الآيةِ وفِعلٌ فيها، كِلاهُما يُنفى عن غَيرِ صاحِبِ المَوقِف. و«لا» هنا نَفيٌ مُطلَق: لا يَقَعُ هذا الفِعلُ على هذا الوَجهِ من أحَد. فالعِبارةُ لا تُثبِتُ ولا تَصِفُ ابتِداءً، بل تَرفَعُ المُماثَلةَ رَفعاً.

والفِعلُ مُضارِعٌ: «يُوثِقُ»، يَحكي حالاً قائِمةً مُتَجَدِّدةً لا واقِعةً انقَضَت. فالمَشهَدُ مَنصوبٌ أمامَ السامِعِ كأنَّه يَجري الآن: شَدٌّ يَنزِلُ، ولا أحَدَ يَشُدُّ مِثلَه. والنَّفيُ يَنصَبُّ على المُشابِهِ لا على أصلِ الفِعل، فالوَثاقُ واقِعٌ، إنّما المَنفيُّ أن يَبلُغَه شادٌّ سِواه.

«وَثاقَهُ»: شَدٌّ يُحكِمُ فلا يَنفَلِت

الجِذرُ و-ث-ق يَدورُ على الشَّدِّ المُحكَمِ الذي يَجمَعُ فلا يَدَعُ مَنفَذاً للانفِكاك. الوَثاقُ ما يُشَدُّ به الأسيرُ فلا يَبرَح، والوَثيقُ المُحكَمُ الذي لا يَتَزَحزَح، والمِيثاقُ عَهدٌ مَشدودٌ بِعُقدةٍ لا تُحَلّ. فالوَثاقُ في هذا الأصلِ قَيدٌ يَجمَعُ المَشدودَ على نَفسِه جَمعاً مُحكَماً.

وإضافةُ الوَثاقِ إلى ضَميرِ الفاعِلِ «وَثاقَه» تَجعَلُ الشَّدَّ شَدّاً لا نَظيرَ له: وَثاقٌ يَخُصُّ صاحِبَه، لا يُقاسُ بِوَثاقِ أحَد. فليس النَّفيُ نَفيَ أن يَشُدَّ غَيرُه، بل نَفيُ أن يَشُدَّ غَيرُه شَدّاً يُماثِلُ هذا الشَّدَّ في إحكامِه. والمَوضِعُ يَلي مَشهَدَ الجَزاءِ، فالوَثاقُ هنا قَبضٌ في مَوقِفٍ لا يُفلِتُ منه مَقبوض.

«أَحَدٌ»: واحِدٌ يُستَغرَقُ في سِياقِ النَّفي

«أحَدٌ» في الجِذرِ ء-ح-د يَدُلُّ على الواحِدِ المُفرَدِ الذي لا ثانيَ له في مَوضِعِه. وإذا وَقَعَ في سِياقِ النَّفيِ استَغرَقَ الجِنسَ كلَّه: «لا يُوثِقُ... أحَدٌ» تَنفي الفِعلَ عن كلِّ واحِدٍ بِلا استِثناء، صَغيرِهم وكَبيرِهم. فالكَلِمةُ الواحِدةُ تَكنِسُ الخَلقَ جَميعاً من جانِبِ المُماثَلة.

وتَأخيرُ «أحَدٌ» إلى آخِرِ الآيةِ يَجعَلُه فاصِلةً تَقطَعُ الباب: بَعدَ أن نُفِيَ الشَّدُّ المُماثِلُ، يَأتي «أحَدٌ» لِيُغلِقَ كلَّ ثُغرةٍ يَطمَعُ بها طامِعٌ في نِدٍّ. فلا شادَّ يُحكِمُ مِثلَ هذا الإحكامِ، لا واحِدٌ بِعَينِه ولا أحَدٌ على الإطلاق.


حَصيلة

تَصِلُ الواوُ الآيةَ بِنَظيرَتِها في مَشهَدٍ واحِد، ثُمَّ يَنفي المُضارِعُ «لا يُوثِقُ» وُقوعَ شَدٍّ مُماثِلٍ من سِواه. والوَثاقُ (و-ث-ق: شَدٌّ مُحكَمٌ يَجمَعُ فلا يَنفَلِت) مُضافٌ إلى صاحِبِه «وَثاقَه»، فالقَيدُ المَوصوفُ قَيدٌ لا نَظيرَ له في إحكامِه. و«أحَدٌ» (ء-ح-د: واحِدٌ مُفرَد) في سِياقِ النَّفيِ يَستَغرِقُ الخَلقَ كلَّهم، وتَأخيرُه إلى الفاصِلةِ يُغلِقُ كلَّ ثُغرةٍ في المُماثَلة. فالآيةُ لا تَصِفُ الوَثاقَ ابتِداءً بِقَدرِ ما تَرفَعُ عنه النَّظيرَ: شَدٌّ في مَوقِفِ الجَزاءِ يُحكِمُ ما لا يُحكِمُه شادٌّ، ولا يَبلُغُ مَبلَغَه أحَد.