الشرح · الآية 5

﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

الفاءُ التَّفريعيّة: من الخاصِّ إلى العامّ

الفاءُ في «فَإِنَّ» تَنقُلُ السورةَ من الإخبارِ الخاصِّ إلى التَّقريرِ العامّ، فقد كانَ الإخبارُ في الآياتِ الأَربَعِ السابِقَةِ مُوَجَّهاً إلى المُخاطَبِ شَخصيّاً («صَدرَك»، «وِزرَك»، «ظَهرَك»، «ذِكرَك»)، والآيةُ هنا تَفُكُّ الإضافَةَ وتَجعَلُ الكَلامَ بِلا ضَمير: «العُسر» مَعرِفَةٌ بِأل، و«يُسر» نَكِرَة، وليس فيها ضَميرٌ يَخصُّ شَخصاً، والسورةُ تَفتَحُ هنا بابَها لِكُلِّ قارئ.

وفي هذا الانتِقالِ مَنهَجٌ، فالسورةُ تَستَخرِجُ مِن حَدَثِ الخاصِّ قانوناً يَنفَعُ كلَّ مَن أَتى بَعدَه، ولا تَقِفُ عند إخبارِ المُخاطَبِ بِما حَدَثَ له. والإخبارُ في حَقِّه بأَنَّ الصَّدرَ شُرِحَ والوِزرَ وُضِعَ يُصبِحُ في حَقِّ كلِّ قارئٍ بِنيَةً ثابِتَة: حَيثُ يَكونُ العُسرُ يَكونُ مَعَه يُسر، وما وَقَعَ في حَقِّ المُخاطَبِ يَتَحَوَّلُ قانوناً في حَقِّ الجَميع.

ولذلك تَكَرَّرَتِ الجُملَةُ مَرَّتَين في السورة، فالآيةُ الخامِسَة والآيةُ السادِسَة تَحمِلانِ النَّصَّ نَفسَه: «إنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً»، والتَّكرارُ مَنهَجٌ، وفيه فَتحُ بابِ المَعنى لِأَكثَرَ من قراءة. غَيرَ أنَّ الفاءَ في الأُولى تَفريعٌ على ما سَبَق، وغِيابُها في الثانيةِ تَأكيدٌ مُستَقِلّ، كأنَّ السورةَ تَقولُ القانونَ مَرَّتَين: مَرَّةً تَفريعاً على الخاصّ، ومَرَّةً مُجَرَّداً.

«مَعَ»: المُلازَمَةُ في الزَّمَنِ نَفسِه

و«مَعَ» في اللسانِ حَرفُ مُصاحَبَة، وما كانَ مَعَ الشَّيءِ كانَ في زَمَنِه ومَوضِعِه، فـ«جاءَ زَيدٌ مَعَ عَمرٍو» مَعناه أَنَّهما جاءا في وَقتٍ واحد. ولذلك كانَ المَعنى في «مَعَ العُسرِ يُسراً» أَنَّ اليُسرَ يُلازِمُ العُسرَ في زَمَنِه نَفسِه، لا في زَمَنٍ تالٍ.

وبَين هذه المَعِيَّةِ والتَّسلسُلِ فَرق، فلو قِيلَ «بَعدَ العُسرِ يُسراً» لَكانَ الصَّبرُ هو الحَلَّ الوَحيد، يُنتَظَرُ فيه انقِضاءُ العُسرِ ثمّ يَأتي اليُسر. وقد أوثِرَت «مَعَ» في النَّصّ، فجَعَلَتِ الياءَ تَجري حَيثُ تَقِفُ العَين، واليُسرُ يَعمَلُ في الباطِنِ في الوَقتِ نَفسِه الذي يَعمَلُ فيه العُسرُ في الظَّاهر.

وهذا ما يَلتَفِتُ إليه القارِئُ في حالِ ضَيقِه، فالمَطلوبُ منه أن يَسمَعَ في الزَّمَنِ نَفسِه ما يَجري بِجانبِ الضَّيق، ولا يُطلَبُ منه أن يُنكِرَ الضَّيقَ ولا أن يَنتَظِرَ زَوالَه، كَأَنَّ السورةَ تَفتَحُ في صَدرِه أُذُناً ثانيَةً تَلتَقِطُ مَعَ صَوتِ الضَّيقِ صَوتاً آخَرَ يَجري إلى جانِبِه، ولا يُضادُّه. وكثيراً ما تَسبِقُ السَّعةُ في الباطنِ السَّعةَ في الظَّاهر.

«العُسرِ» مَعرِفَةٌ، و«يُسراً» نَكِرَة: واحدٌ لا يَهزِمُ اثنَين

والمُفارَقَةُ النَّحويَّةُ في الآيَتَين أَصلٌ في فَهمِهِما، فـ«العُسر» في الآيتَين مَعرِفَةٌ بِأل، واحدٌ مَحدود، و«يُسر» في الآيتَين نَكِرَة، اثنانِ غَيرُ مَحدودَين. والمَعرِفَةُ إذا تَكَرَّرَت كانَت هي نَفسَها، لِأَنَّ المَعرِفَةَ تُحَدِّدُ الشَّيءَ المُعَيَّن، والنَّكِرَةُ إذا تَكَرَّرَت كانَتا شَيئَين مُختَلِفَين، لِأَنَّ النَّكِرَةَ لا تُحَدِّد.

فالنَّتيجَةُ عُسرٌ واحدٌ مَحدود، ويُسرانِ غَيرُ مَحدودَين، أي واحدٌ في مُقابَلَةِ اثنَين، وضَيقٌ مَعَه سَعتانِ من جِهَتَين. وهذا في صَوتِ الكَلِمَتَين أَصلاً، فـ«العُسر» بأل تُغلِقُ الكَلِمَةَ على نَفسِها، و«يُسراً» بِالتَّنوينِ تَنفَتِحُ على ما لا يُحَدّ، والنَّحوُ في هذا التَّكرارِ يَفعَلُ بِالحَرفِ ما يَفعَلُه القانونُ في الحَياة: ضَيقٌ مُعَيَّن، وسَعةٌ بِلا حَدّ.

ومَن قَرَأَ هذا في حَقِّ نَفسِه عَرَفَ أَنَّ الضَّيقَ الذي يَستَيقِنُه ليس وَحدَه، وأنَّ كلَّ ضَيقٍ مَهما اشتَدَّ يَكونُ مَعَه يُسرٌ يَفعَلُ في الباطن، ثمّ يَتلوهُ يُسرٌ آخَرُ في الظَّاهِر، فإذا ضاقَ فلْيُذَكِّرْ نَفسَه أَنَّ الواحِدَ لا يَهزِمُ الاثنَين. وفي البَقَرَةِ يَقولُ القُرآنُ صَريحاً: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، فاليُسرُ مُرادٌ والعُسرُ غَيرُ مُراد، وما في البَقَرَةِ يُؤَكِّدُ القانونَ الذي في هذه السورة: السَّعةُ هي الأَصل، والضَّيقُ عابِر.


حَصيلة

في «فَإنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً» تَستَخرِجُ الفاءُ قانوناً من الخاصِّ إلى العامّ. وأصلُ ع-س-ر صَلابَةٌ تَقِف، وأصلُ ي-س-ر لِينٌ يَجري، وحَرفُ «مَع» مَوضِعُ الإصغاء، وقد عُدِلَ إليه عن «بَعدَ»، والمَعِيَّةُ تَجعَلُ اليُسرَ مُلازِماً للعُسرِ في الزَّمَنِ ذاتِه، لا تالِياً له، وفي حالِ الضِّيقِ نَفسِها يَتَنَفَّسُ مَوضِعٌ آخَر. ومَن قَرَأَ هذه الآيةَ على حَقيقَتِها يَلتَفِتُ إلى السَّعَةِ في قَلبِ الضِّيقِ نَفسِه، ولا يَنتَظِرُها بَعدَه.