البقرة · الآية 162

﴿خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ

(خ ل د): «خالِدينَ» حالٌ دائِم لا مَوضِع مَكانيّ

الجَذرُ (خ ل د) نَواتُه (خ ل) = فَراغٌ يَتَعَلَّق، نَفسُ نَواةِ «خَلا» و«خَلَف» و«خَلوَة»، ثُمَّ (د) = احتِباسٌ يَمتَدّ. فالخُلودُ في أَصلِه تَعَلُّقٌ في الفَراغِ يَحتَبِسُ عَلى امتِدادِ الزَّمَن. وصيغَةُ اسمِ الفاعِلِ «خالِدين» تُفيدُ الاستِقرارَ في الصِّفَةِ لا مُجَرَّدَ فِعل. وحينَ جاءَ هذا الاسمُ حالاً من الضَّميرِ في «عَلَيهِم» (في الآيَةِ 161)، صارَ الخُلودُ صِفَةَ حامِلي اللَّعنَةِ لا وَصفَ مَكانٍ مَحدود. فالخُلودُ هنا لَيسَ «قَضاءُ وَقتٍ طَويلٍ في مَوضِع»، بَل «كَينونَةٌ تابِثَةٌ في حالٍ مُحَدَّدَة» هي حالُ الطَّردِ من دائِرَةِ الرَّحمَة.

الضَّميرُ «فِيهَا» يَعودُ إلى اللَّعنَةِ لا إلى نارٍ غَيرِ مَذكورَة

كُلُّ ضَميرٍ يَعودُ إلى أقرَبِ مَذكورٍ مُطابِقٍ نَحواً. والمَذكورُ المُؤَنَّثُ القَريبُ في سِياقِ 161 هو «لَعنَة»، أمّا «النّار» فَلَم تُذكَر في الآيَتَين. وهذا الحُكمُ النَّحويُّ يَقلِبُ التَّصَوُّرَ المَشهور: الخُلودُ لَيسَ في مَكانٍ عِقابيٍّ بَل في حالَةِ اللَّعنَةِ نَفسِها. وجَوهَرُ اللَّعنَةِ كَما تَقَدَّمَ هو القَطعُ من دائِرَةِ الرَّحمَة. فَمن خُلِدَ في اللَّعنَةِ خُلِدَ في حالِ من حُرِمَ من كُلِّ خَيرٍ إلهيّ، وهذا جَوهَرُ العَذابِ قَبلَ أيِّ حامِلٍ مادّيّ. المَكانُ الحِسّيُّ إن ذُكِرَ في آياتٍ أُخرى يَكونُ تَصويراً لِهذه الحالَةِ لا بَديلاً عَنها.

(خ ف ف): «لَا يُخَفَّفُ» بِنيَةٌ تَمنَعُ حَتّى التَّدَرُّج

الجَذرُ (خ ف ف) بِتَكرارِ الفاء = خِفَّةٌ مُضاعَفَةٌ، نُقصانٌ يَتَوالى. وصيغَةُ «فَعَّلَ» في «خَفَّفَ» تُفيدُ التَّدريج: التَّخفيفُ المَعهودُ في التَّجرِبَةِ البَشَريَّة يَأتي عَلى جُرَعاتٍ، يَخِفُّ شَيءٌ ثُمَّ شَيء. ونَفيُ صيغَةِ التَّفعيلِ في «لا يُخَفَّف» يَنفي حَتّى هذا التَّدَرُّج: لا جُرعَةَ تَخفيف. والبِناءُ لِلمَجهول «يُخَفَّف» يَحذِفُ الفاعِل، وحَذفُ الفاعِلِ يَشمَلُ كُلَّ فاعِلٍ مُحتَمَل: لا يُخَفِّفُ اللهُ ولا المَلائِكَةُ ولا شَفيعٌ ولا الزَّمَنُ ولا النِّسيان. و«عَنهُم» بِحَرفِ «عَن» الذي يَدُلُّ على المُجاوَزَةِ يَزيدُ التَأكيد: العَذابُ لا يُجاوِزُهُم في أيِّ لَحظَة.

(ن ظ ر): «يُنظَرون» بَينَ نَفيِ الإمهالِ ونَفيِ إعادَةِ النَّظَرِ في القَضيَّة

الجَذرُ (ن ظ ر) ذو طَرَفَين: النَّظَرُ بِمَعنى المُشاهَدَة، والنَّظَرُ بِمَعنى الإمهال (ومنه: أنظَرَه أي أَمهَلَه). والآيَةُ تَستَعمِلُ «يُنظَرون» بِمَعنَيَيها مَعاً: لا يُمهَلون بِتَأجيلٍ يُفسَحُ لَهُم فيه مَجالٌ لِلإصلاح، ولا يُنظَرُ في قَضيَّتِهم بِإعادَةِ فَتحِها. فَكَأنَّ المَحكَمَةَ التي أصدَرَت الحُكمَ أَغلَقَت القَضيَّةَ فَلا استِئنافَ ولا مُراجَعَة. ومَوضِعُ الإغلاقِ مَقصودٌ: جاءَ بَعدَ آيَةِ الاستِثناءِ 160 التي فَتَحَت بابَ التَّوبَةِ بِثَلاثَةِ شُروط. فُرصَةُ فَتحِ البابِ كانَت في الدُّنيا قَبلَ المَوت، أمّا بَعدَ المَوتِ عَلى الكُفرِ فَلا. وتَقديمُ الضَّميرِ «هُم» في «وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ» (بَدَلَ «ولا يُنظَرون») يُفيدُ الاختِصاصَ والحَصر: لا هُم بِالذّاتِ يُنظَرون، بِخِلافِ غَيرِهِم مِمَّن استَدرَكَ في الدُّنيا.

بِنيَةُ الحُكمِ القَضائيِّ المُغلَقِ الاستِئنافِ: ثَلاثَةُ أبوابٍ مُوصَدَة

الآيَةُ تُوصِدُ ثَلاثَةَ أبوابٍ مَعهودَةٍ في الأحكامِ البَشَريّة. البابُ الأوَّل: انقِضاءُ المُدَّة، تُغلِقُه كَلِمَةُ «خالِدين». البابُ الثّاني: التَّخفيفُ التَّدريجيُّ في شِدَّةِ العُقوبَة، يُغلِقُه «لا يُخَفَّف» بِصيغَةِ التَّفعيلِ والبِناءِ لِلمَجهول. البابُ الثّالِث: إعادَةُ النَّظَرِ في القَضيَّة، يُغلِقُه «لا هُم يُنظَرون». والثَّلاثَةُ مَعاً تَصنَعُ بِنيَةَ حُكمٍ نِهائيٍّ لا تَقبَلُ الاستِئناف. ومَعنى ذلك أنَّ الآيَةَ لَيسَت مُجَرَّدَ تَهويلٍ انشائيّ، بَل هي إعلانٌ عَن بِنيَةٍ قَضائيَّةٍ مَحسومَة: كُلُّ مَنفَذٍ كانَت التَّجرِبَةُ البَشَريَّةُ تَعرِفُه لِلتَّخفيفِ من ثِقلِ الحُكمِ قَد أُوصِدَ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الخُلودُ في اللَّعنَة» بِنيَةُ حُكمٍ لا بِنيَةُ مَكان، و«نَفيُ التَّخفيف» يَشمَلُ حَتّى التَّدَرُّجَ الذي تَتَوَقَّعُه التَّجرِبَةُ البَشَريَّة، و«نَفيُ النَّظَر» يَقفِلُ بابَ الاستِئنافِ عَلى من لَم يُحسِن استِعمالَ الاستِثناءِ حينَ كانَ مَفتوحاً في الدُّنيا. الثَّلاثَةُ مَعاً صَدى لِفِعلِ الكَتمِ الدّائِم: من أَغلَقَ الحَقَّ عَلى غَيرِه أُغلِقَت عَلَيه أَبوابُ المُراجَعَة.


حَصيلة

الآيةُ ذيلٌ تامٌّ على حُكمِ 161 تُوصِدُ ثَلاثَةَ أبوابٍ كانَ يُرجى انفِتاحُها في الأحكامِ البَشَريَّة. البابُ الأوَّل باب انقِضاءِ المُدَّة: تُغلِقُه خَالِدِينَ فِيهَا﴾ والضميرُ في «فيها» يَعودُ نَحوياً على «لَعنَة» لا على نارٍ غيرِ مَذكورة، فالخُلودُ كَينونَةٌ في حالِ الإبعادِ من الرَّحمَة لا إقامةٌ في مَكانٍ مادّيّ. والبابُ الثاني باب التَّخفيف التَّدريجيّ: يُغلِقُه لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ بصيغةِ المبنيِّ للمجهول من بابِ التَّفعيل (خ-ف-ف) مَعاً؛ المبنيُّ للمجهول يَعُمُّ كُلَّ فاعِلٍ مُحتَمَل من الله والملائكةِ والشَّفيعِ والزَّمن، وبابُ التَّفعيل يَنفي حَتّى التَّدَرُّجَ الجُزئيَّ: لا جُرعَةَ تَخفيف. والبابُ الثالثُ باب إعادَةِ النَّظَرِ في القَضيَّة: يُغلِقُه وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ بتقديمِ الضميرِ للحَصر وجذرِ (ن-ظ-ر) الجامِعِ بين نَفيِ الإمهالِ ونَفيِ إعادَةِ فَتحِ القضيَّة. فُرصَةُ الاستِثناءِ كانَت في الدُّنيا قبلَ المَوت، وقد أُغلِقَت الثَّلاثَةُ معاً صَدىً لفِعلِ الكَتمِ الدائم: من أَغلَقَ الحَقَّ على غَيرِه أُغلِقَت عليه أَبوابُ المُراجَعَة.