البقرة · الآية 192

﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

«فإن انتَهَوا»: (ن ه ي) كفُّ اليَدِ لا الإقرارُ بالعَقيدة

أفتَتِحُ بأنَّ الفعلَ «انتَهَوا» من جذرِ (ن ه ي)، ونُواتُه «البُلوغُ إلى الحَدِّ والوُقوفُ عنده»، ومنه «نِهايةُ النَّهر» حيثُ يَقِفُ جَريانُه، ومنه «نَهى فُلاناً عن الأمر» أمَرَه بالوُقوفِ عن الفِعل. فصيغةُ الافتِعال «انتَهى» تَعني وُقوفَ المرءِ بنَفسِه عندَ الحَدّ. ولاحِظُ الدِّقّةَ: الشَّرطُ ليس «فإن آمَنوا»، ولا «فإن تابوا»، ولا «فإن دَخَلوا»، بل «فإن انتَهَوا» فقط، أي كَفُّوا يَدَهم عن القتال. وهذه قاعدةٌ كُبرى: ما أُوجِبَ القِتالُ إلّا لأنَّهم بَدَأوه، فإذا وَقَفوا عنه سَقَطَ سَبَبُ الإيجاب، ورَجَعَ كلُّ إنسانٍ إلى دَورِه الأصليِّ في القناعة.

«فإنَّ اللهَ غَفورٌ»: (غ ف ر) والسَّترُ بَعدَ الكَفّ

أُؤكِّدُ أنَّ «غَفور» من جذرِ (غ ف ر)، ونُواتُه «التَّغطيةُ بغِشاءٍ يَقي»، ومنه «المِغفَر» الذي يُلبَسُ على الرأسِ في الحَربِ ليَقيه، و«غَفَرَ الجُرحَ» داواه بما يَستُرُه. فالمَغفرةُ هنا ليست مجرَّدَ عَفوٍ كَلاميٍّ، بل وَضعُ غِشاءٍ يَستُرُ ما كان ويَقيه من التَّبعاتِ اللاحقة. فإذا انتَهى المُعتَدي عن عُدوانه، لم يَظَلَّ الرَّدُّ الإلهيُّ مُلاحِقاً له بما صَنَعَ قبل الكَفّ، بل يَضَعُ عليه سِتراً يَقِف. والنَّظَرُ إلى الاسمِ الإلهيّ بجَذرِه يَكشِفُ أنَّ الآيةَ لا تَمدَحُ تَساهُلاً بل تُبَيِّنُ وَظيفةً: الحَقُّ يَحمي مَن رَجَعَ من الضَّرَرِ اللاحق.

«رَّحيمٌ»: (ر ح م) عَلاقةُ الرَّحِمِ لا لَطفُ الكَلام

أُلاحِظُ أنَّ «رَحيم» من جذرِ (ر ح م)، ونُواتُه «الرَّحِمُ» أي مَحَلُّ نُموِّ الجَنينِ في بَطنِ الأمّ، ومنها اشتُقَّت الرَّحمةُ لأنَّها صِلةٌ يَنمو فيها الأضعفُ ويُحمى. والرَّحيمُ صيغةٌ تَدُلُّ على ثَباتِ الصِّفة: فاعِلُها دائمُ الحَملِ لهذه العلاقة. فالرَّحمةُ في الآيةِ ليست عاطفةً تَظهَرُ وتَغيب، بل علاقةُ نُموٍّ وحِمايةٍ تُعادُ إلى المُعتَدي متى كَفَّ عن عُدوانه، كأنَّه يَعودُ إلى حاضِنةٍ كان قد خَرَجَ منها بِفِعلِه. فالإيقافُ إذاً ليس نِهايةً لمَوقِفٍ، بل بابٌ لدَخولٍ جَديدٍ في دائرةِ الرَّعاية.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. «الانتهاء» ليس اعتِرافاً بعقيدةٍ ولا تَحَوُّلاً هُوِيّاتيّاً، بل كَفُّ اليَدِ عن العُدوان. وبِكَفِّ اليَدِ يَرتَفِعُ الأمرُ بالقِتال، وتَنفَتِحُ دائرتانِ إلهيّتانِ مُختلِفتا الدَّور: الغُفرانُ الذي يَسْتُرُ ما سَبَقَ من عُدوان، والرَّحمةُ التي تُعيدُ الإنسانَ إلى حاضِنةٍ يَنمو فيها من جَديد. فالقِتالُ مَشروطٌ بدَورٍ، ورَفعُه مَشروطٌ بسُقوطِ ذلك الدَّور.


حَصيلة

ثَلاثةُ أحرُفٍ تَحمِلُ الحُكمَ كُلَّه: «انتَهَوا». الشَّرطُ ليسَ «آمَنوا»، ليسَ «تابوا»، ليسَ «دَخَلوا» في مِلَّة، بل جَذرُ (ن-هـ-ي) بُلوغٌ إلى الحَدِّ والوُقوفُ عندَه. صيغةُ الافتِعالِ «انتَهى» وُقوفُ المَرءِ بنَفسِه، وهذا كافٍ. لِأنَّ القِتالَ لم يُوجَب إلّا لِأنَّهم بَدَأوه، فإذا وَقَفوا سَقَطَ سَبَبُ الإيجاب ورَجَعَ كُلُّ إنسانٍ إلى دَورِه الأصليِّ في القَناعة. والاسمانِ الإلهيّانِ «غَفورٌ رَحيمٌ» يَضَعانِ فِعلَيْنِ مُختَلِفَين: الغَفرُ بجَذرِ (غ-ف-ر) سِترٌ مُجَدَّدٌ يَضَعُه اللَّهُ فوقَ ما كان مِن العُدوانِ السَّابق، فلا يَظَلُّ الرَّدُّ مُلاحِقاً المُنتَهيَ بما صَنَعَ قَبلَ الكَفّ. والرَّحمةُ بجَذرِ (ر-ح-م) صِلةُ الرَّحِمِ التي يَنمو فيها الأضعَفُ ويُحمى: المُنتَهي لا يُطلَقُ سَراحُه فَحَسب بل يُعادُ إلى حاضِنةٍ كان قد خَرَجَ منها بفِعلِه. فبابُ القِتالِ يَنفَتِحُ بالفِعلِ ويُغلَقُ بالكَفّ، وليسَ هناكَ مُتَطَلَّبٌ أكثَر مِن ذلك.