البقرة · الآية 279

﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ

(ف ع ل) الشَّرطُ العَمَليّ

أُلاحِظُ أنَّ فِعلَ الشَّرطِ «لَم تَفعَلوا» عامٌّ جِدًّا، لا يُحَدِّدُ فِعلًا مُعَيَّنًا. وهذا العُمومُ مَقصود: ما كَلَّفَكُم به في الآيةِ السّابِقة (تَركُ البَقيَّةِ) إذا لَم تَفعَلوه، فَالنَّتيجةُ آتية. فالفِعلُ هُنا بَسيطٌ، لَكِنَّه فاصِل: إمّا ذَرُّ البَقيَّةِ الرِّبَويَّة، أو دُخولُ مَرحَلةِ الحَرب. وأؤَكِّدُ أنَّ هذا الخِيارَ الثُّنائيَّ الصَّريحَ أسلوبٌ قُرآنيٌّ يَصنَعُ لَحظةَ حَسمٍ لا تَسمَحُ بتَأجيل.

(أ ذ ن) + (ح ر ب) إعلانُ الحَرب

أُبَيِّنُ أنَّ الفِعلَ «فَأذَنوا» من (أ ذ ن)، ويَعني هُنا «اعلَموا وتَأهَّبوا». والأصلُ في اللُّغةِ: «أذَّنَ» نادى ودَعا، و«أذِنَ» استَمَعَ وأعلَمَ. فَالمَعنى المُضاعَفُ: كونوا على عِلمٍ بأنَّ الحَربَ مُعلَنة، وبَثُّوا هذا الإعلانَ للجَميع. وأؤَكِّدُ أنَّ كَلِمةَ «حَرب» نَكِرة، لَم يَعرِّفها بـ«الحَرب» مُعَرَّفةً، ليَظَلَّ نَوعُها مَفتوحًا: قَد تَكونُ مُسَلَّحةً أو اقتِصاديَّةً أو اجتِماعيَّةً أو في الآخِرة. ثُمَّ نَسَبَها إلى اللهِ ورَسولِه، وهذه الإضافةُ تُرَفِّعُ الخَصمَ إلى مَوقِعٍ لا يُقاوَمُ بَشَريًّا.

(ت و ب) بابُ التَّوبةِ بَعدَ الإنذار

أُشيرُ إلى أنَّ الآيةَ بَعدَ الإنذارِ الشَّديدِ عادَت إلى فَتحِ بابِ التَّوبةِ مُباشَرة: «وإن تُبتُم». والتَّوبةُ في اللُّغةِ الرُّجوعُ. وهذا التَّتابُعُ البَلاغيُّ مُهِمّ: لا يَنتَهي القُرآنُ بالإنذارِ وحدَه، بَل يَفتَحُ المَخرَجَ فَورًا. وأؤَكِّدُ أنَّ هذه البِنيةَ تَكشِفُ عَن قَلبٍ شَفيقٍ وَراءَ الحُكم: التَّهديدُ لا يُرادُ به إهلاكُ المُرابي، بَل تَحريكُه. فَحينَ يَتَحَرَّكُ نَحوَ التَّوبةِ، يَجِدُ البابَ مَفتوحًا والمالَ الأصليَّ مَضمونًا.

(ر أ س) + (م و ل) رَأسُ المال

أُلاحِظُ أنَّ «رُؤوسَ أموالِكُم» تَعبيرٌ اقتِصاديٌّ تِقنيٌّ في العَرَبيَّة. الرَّأسُ من الشَّيءِ أعلاه، ومَجازًا أصلُه. ورَأسُ المالِ هو المَبلَغُ الأصليُّ قَبلَ أيَّةِ زيادةٍ أو ربح. وأؤَكِّدُ أنَّ اختيارَ هذا المُصطَلَحِ الفِقهيِّ الدَّقيقِ يَعني أنَّ الآيةَ تُفَرِّقُ تَفريقًا مَحسوبًا: للمُقرِضِ أن يَستَرِدَّ ما دَفَعَه ابتِداءً، وعَلَيه أن يَترُكَ ما يَزيدُ عَليه. هذا الفَصلُ المُحاسِبيُّ بَينَ الأصلِ والزِّيادةِ هو لُبُّ تَشريعِ الرِّبا.

(ظ ل م) مَبدَأُ العَدلِ الثُّنائيّ

أُبَيِّنُ أنَّ «لا تَظلِمونَ ولا تُظلَمون» جُملةٌ قانونيَّةٌ كامِلة. الأولى مَبنيَّةٌ للمَعلوم: «لا تَظلِمون» أي لا تَكونوا ظالِمين. والثّانيةُ مَبنيَّةٌ للمَجهول: «ولا تُظلَمون» أي لا تَكونوا مَظلومين. فَالعَدلُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بالاتِّجاهَين. وأؤَكِّدُ أنَّ هذه الصيغةَ تَحِلُّ مُعضِلةً تَطبيقيَّةً مُهِمَّة: بَعدَ أن حُرِّمَ الرِّبا، قَد يَتَوَهَّمُ بَعضُ المَدينينَ أنَّ ذلك يُعفيهِم من أصلِ الدَّين. الآيةُ تَرُدُّ: حَرامُ الرِّبا لا يَعني حَرامَ أصلِ القَرض. مَنعُ الرِّبا يُنهي ظُلمَ المُرابي، ورَدُّ رَأسِ المالِ يَمنَعُ ظُلمَ المُقتَرِضِ. فَالتَّشريعُ ليسَ في صالِحِ طَرَفٍ ضِدَّ طَرَف، بَل يُقيمُ التَّوازُنَ بَينَهُما.

الآيةُ كَقانونٍ اقتِصاديّ أعلى

أُشيرُ إلى أنَّ هذه الآيةَ تُعتَبَرُ من أقوى النُّصوصِ القُرآنيَّةِ وَضعًا لقاعِدةٍ اقتِصاديَّةٍ قانونيَّة. فَهي تَجمَعُ: إنذارًا بالعُقوبةِ المُسَلَّحة، وعَفوًا بالتَّوبةِ، وتَحديدًا تِقنيًّا لحَقِّ المُقرِض، وصيغةً عامَّةً للعَدلِ الاقتِصاديّ. وأؤَكِّدُ أنَّ قاعِدةَ «لا تَظلِمونَ ولا تُظلَمون» تَتَجاوَزُ سِياقَ الرِّبا، وتَصلُحُ لأن تَكونَ المَبدَأَ المِحوَريَّ لكُلِّ الفِقهِ الاقتِصاديِّ: المَنعُ عَن الظُّلم، وحِمايةُ المَرءِ من أن يُظلَم. وهذه الصيغةُ المُختَصَرةُ كافِيةٌ كَأساسٍ دَستوريٍّ لاقتِصادٍ عادِل.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «قاعِدةِ العَدلِ الثُّنائيِّ التي تَمنَعُ الظُّلمَ بالاتِّجاهَين» يَسبِقُ دَورَ «تَشريعٍ يَحمي طَرَفًا ضِدَّ طَرَف»، ودَورُ «رَأسِ المالِ كَمُصطَلَحٍ فاصِلٍ بَينَ الأصلِ والرِّبا» يَسبِقُ دَورَ «التَّعامُلِ مع المَبلَغِ المُقرَضِ كَكَتلةٍ واحِدةٍ مَعَ فَوائِدِه».


حَصيلة

تَصعيدٌ لم يَسبِق له مِثلٌ في القُرآن بِهَذِه الصِّيغةِ المُباشِرة: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. «أذَنوا» (أ-ذ-ن): كونوا على عِلمٍ وبُثُّوا هذا الإعلانَ. «حَرب» نَكِرةٌ مَفتوحةُ النَّوع: مُسَلَّحةٌ أو اقتِصاديَّةٌ أو في الآخِرة. وإضافَتُها إلى اللهِ ورَسولِه تَرفَعُ الخَصمَ إلى مَوقِعٍ لا يُقاوَمُ بَشَريًّا. لَكِنَّ البابَ لا يُغلَقُ: وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾. رَأسُ المالِ (ر-أ-س + م-و-ل) الأصلُ الذي دُفِعَ قَبلَ أيِّ فائِدة: يُستَرَدُّ كامِلًا. والقاعِدةُ الخاتِمةُ اقتِصادٌ إلَهيٌّ بِكَلِمَتَين: لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، عَدلٌ في الاتِّجاهَين. لا يَظلِمُ الدّائِنُ المَدينَ بِأخذِ فائِدة، ولا يَظلِمُ المَدينُ الدّائِنَ بِعَدَمِ رَدِّ الأصل. التَّوبةُ (ت-و-ب) الرُّجوعُ، تَفتَحُ الطَّريقَ مِن إعلانِ الحَربِ إلى العَدلِ الصّافي في خَطوةٍ واحِدة.