البقرة · الآية 56

﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

«ثُمَّ بَعَثْنَاكُم»: الجذر (ب ع ث) = إخراجٌ من العُمقِ وإعادَةُ الكَثافَة

«بَعَث» من جذر (ب ع ث)، ومَعناه بُروزٌ يَخرُجُ من أَعمَقِ نُقطَةٍ ثُمَّ يَتَكَثَّف، أي إعادَةُ تَجسيدٍ لِما كانَ مُستَقَرّاً في عُمقِ السُّكون، ولا يَقِفُ عِندَ الاسْتِيقاظ. ومِنَ الجَذرِ نَفسِه «بَعثُ الرَّسول»، أي إخراجُه من مَصدَرِه إلى المَشهَدِ العامّ، وَ«بَعثُ الجَيش»، أي تَحريكُ ما كانَ جامِداً بِأَمرٍ يَنفُذُ من داخِلِه لا من سَوطٍ من خارِج. فلَمّا قالَ الحَقُّ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم﴾ بَعدَ الصَّاعِقَةِ التي أَوقَفَت حَواسَّهُم، وَصَفَ الحَدَثَ بِبِنيَةٍ دَقيقَة، فقد كانوا سَكَنوا سُكوناً تامّاً، ثُمَّ أُخرِجوا من هذا السُّكونِ إلى الحَرَكَةِ مَرَّةً أُخرى، ولم يَكونوا فَنُوا كَي يُعادَ إنشاؤُهُم من عَدَم.

«مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ»: الجذر (م و ت) = قَطعُ تَجَمُّعٍ مُحتَوٍ، لا فَناء

و«مَوت» من جذر (م و ت)، وهو تَجَمُّعٌ مُحتَوٍ (مو) يُقطَعُ بِدِقَّة (ت)، أي انقِطاعُ الصِّلَةِ داخِلَ كِيانٍ كانَ مُلتَحِماً. وبِهذا المَعنى الجَذريِّ يَنحَلُّ إشكالُ الآيَة، فـ«مَوت» فَصلٌ دَقيقٌ يَفصِلُ المُتَّصِلَ عَن اتِّصالِه، ولا يَعني عَدَماً مَحضاً. والصّاعِقَةُ التي سَبَقَت كانَت قاطِعَةً لِوَصلِ الحَواسِّ بِمَحَلِّها، فَجاءَ البَعثُ إعادَةً لِلوَصلِ بَعدَ القَطع. ولِذا لا يَحتاجُ النَّصُّ إلى تَفريعِ أَقوالٍ في طَبيعَةِ مَوتِهِم، إذ يَكفي فيه المَبنى اللِّسانيّ: سَكَنوا بِالقَطع، ثُمَّ حُرِّكوا بِالبَعث.

«لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»: الجذر (ش ك ر) = جَمعُ المُتَفَرِّقِ في وَعيٍ يَمتَدّ

و«شُكر» من (ش ك ر)، وأَصلُه انتِشارٌ يُعادُ جَمعُه (شك) ويُسْتَرسَل (ر)، أي إدراكُ النِّعَمِ المُتَفَرِّقَةِ وجَمعُها في وَعيٍ واحِدٍ يَمتَدُّ بِها. وهو ضِدُّ (ك ف ر) بُنيَوِيّاً: الكُفرُ تَغطِيَةٌ تُخفي ما ظَهَرَ، والشُّكرُ كَشفٌ يَجمَعُ ما تَفَرَّق. وخَتمُ الآيَةِ بِـلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ طَلَبٌ من البَعثِ أَن يُورِثَ فِعلاً يَرُدُّ النِّعَمَ المُتَفَرِّقَةَ (حَياةٌ، حَواسٌّ، فُرصَةٌ جَديدَة) إلى مَوضِعِها الواحِد، أي أن يُجمَعَ ما تَفَرَّقَ في وَعيٍ يَعرِفُ واهِبَه، والمَطلوبُ بِه غَيرُ عِبارَةِ «الحَمدُ للهِ» على اللِّسان.

بِنيَةُ «ثُمَّ» في السِّياق: البَعثُ فُرصَةُ شُكرٍ لا اعتِذار

و«ثُمَّ» في لُغَةِ العَرَبِ تُفيدُ التَّراخي الزَّمَنيّ، أي أنَّ بَينَ الصّاعِقَةِ والبَعثِ فاصِلاً زَمَنيّاً. ولِهذا الفاصِلِ وَظيفَةٌ يَحمِلُها، وليسَ حَشواً، فهو مَوقِعُ «السُّكون» الذي تَحَدَّثَ عَنه (م و ت) في المَشهَدِ السّابِق. ثُمَّ إنَّ الجَوابَ المَطلوبَ بَعدَ البَعثِ جاءَ بِلَفظِ «تَشكُرون»، دونَ «تَتوبون» و«تَستَغفِرون»، وهذا تَحديدٌ دَقيقٌ لِمَوقِعِ البَعثِ في البِنيَة، فالبَعثُ هُنا نِعمَةٌ تَستَأنِفُ الفُرصَةَ، وليسَ فَصلاً في قَضاءٍ يَنتَظِرُ التَّوبَة. ومِنه قاعِدَةٌ عامَّة، وهي أنَّ كُلَّ «تَحريكٍ بَعدَ سُكون» في حَياةِ الإنسانِ يَطلُبُ جَمعَ المُتَفَرِّقِ من نِعَمِه في وَعيٍ يَعرِفُ مَصدَرَه، ولا يُكتَفى فيه بِالاعتِذارِ عَن السُّكونِ السّابِق.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«البَعث» في جَذرِه إعادَةُ تَحريكٍ لِما سَكَن، وليسَ مُعجِزَةً خارِجَةً عَن سُنَّة، و«المَوت» قَطعٌ دَقيقٌ لا فَناءٌ، و«الشُّكر» فِعلٌ جامِعٌ لا عِبارَةٌ مُنفَرِدَة. فَكُلَّما أُخرِجَ الإنسانُ من سُكونٍ إلى حَرَكَةٍ، كانَ ذلكَ بَعثاً يَطلُبُ دَورَ الجامِعِ لا الغافِلِ، ومَوقِعَ الشّاكِرِ لا المُعتَذِر.


حَصيلة

بَعدَ الصّاعِقَةِ وسُكونِها التّامِّ يَأتي الإنهاضُ: ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. و(ب-ع-ث) في أَصلِه بُروزٌ مِن عُمقِ سُكونٍ، أي إخراجٌ لِما كانَ جامِداً، وليسَ إنشاءً من عَدَم. فالقَومُ سَكَنوا سُكوناً تامّاً كالمَوت، ثُمَّ أُخرِجوا مِنه، ولَم يَفنَوا كَي يُعادَ بِناؤُهم. والغايَةُ في خِتامِ الآيَةِ «لَعَلَّكُم تَشكُرون»، كَما في الآيَةِ (52) بَعدَ العَفوِ، فالإنهاضُ فَتحٌ لِمَسارٍ مُتَوَقَّعٌ منه أن يُنتِجَ (ش-ك-ر)، وهو تَشَعُّبُ المَعروفِ وحَصرُه في الرَّبطِ بِمُسديه ثُمَّ امتِدادُه في السُّلوك، ولا يُختَزَلُ في المُكافَأَة. والسُّؤالُ المُعَلَّقُ: هل حَمَلَت الحَياةُ الثّانِيَةُ ما أَخفَقَت فيه الأُولى؟ والإنهاضُ من أَثَرِ الصّاعِقَةِ مَنحَةٌ ثانِيَةٌ تَحمِلُ نَفسَ مَطلَبِ الأُولى، وتَكرارُ السُّؤالِ هُو نَفسُه إشارَةٌ إلى أنَّ الجَوابَ لم يَكتَمِل.