البقرة · الآية 88

﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«قُلُوبُنَا غُلْفٌ»: (غ ل ف) ادّعاءُ غِلافٍ خِلقيٍّ يُبَرِّئُ الفاعِل

الجِذرُ (غ ل ف) نَواتُه «غَل»، وهي باطِنٌ يَلتَصِقُ بِشِدّة، ثُمَّ تَفصِلُ الفاءُ ما بَعدَه عَمّا قَبلَه. فالغِلافُ غِشاءٌ مُلتَصِقٌ يَقطَعُ النُّفوذ، كغِمدِ السَّيفِ الذي يَحجُبُ حَدَّه عَمَّن حَولَه. والدَّعوى «قُلوبُنا غُلف» دَفعٌ لِلمَسؤولِيّة، وليسَت وَصفاً لِحالة: القَلبُ لا يَتَلَقّى لأنَّ عَلَيه غِلافاً، والغِلافُ خَلقٌ لا كَسب. وهذا النَّمَطُ من الاحتِجاجِ يَتَكَرَّرُ كُلَّما أُلزِمَ الإنسانُ بِمَوقِف: يُحيلُ عَجزَه إلى طَبعِه لِيَنسَحِبَ من دائِرةِ القَرار. والعَجيبُ أنَّ الحُجّةَ لا تَخلو من ذَكاء، فهي تُلبِسُ الرَّفضَ ثَوبَ العَجز، وتَسحَبُ التَّكليفَ بِحُجّةِ الفِطرة.

«بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ»: الباءُ السَّبَبيّةُ تَقلِبُ الحُجَّةَ على صاحِبِها

و«بَل» هُنا حَرفُ إبطال، وليسَت حَرفَ استِدراك: ما قَبلَها لاغٍ كَما ادَّعَوه، وما بَعدَها هو الأمرُ كَما هو. ثُمَّ جاءَتِ الباءُ في «بِكُفرِهِم» سَبَبِيّةً لا آلِيّة: اللَّعنُ الذي يَشكونَه تَوَلَّدَ من كُفرِهِم هُم، ولم يُنزَلْ عَلَيهِم من خارِج. والجِذرُ (ل ع ن) نَواتُه «لَع»، وهي تَعَلُّقٌ بِما يَظهَرُ من عُمق، ثُمَّ تَنفُذُ بِالنّونِ إلى الباطِن، فاللَّعنُ فَصلٌ باطِنِيٌّ يَقطَعُ الرّابِطةَ بِالمَصدَر. ومَعنى الآيةِ أنَّ فِعلَ التَّغطِيةِ المُستَمِرَّ هو ما أنتَجَ هذا القَطع، لا قَرارٌ ابتِدائِيٌّ من الله: المُعطى الإلَهِيُّ يَمُرّ، والكافِرُ يُغَطّيه، وكُلُّ تَغطِيةٍ تُوَلِّدُ مَسافةً جَديدةً بَينَه وبَينَ المَصدَر، حَتّى يَبلُغَ هذه الحالَ التي يُسَمّيها اللَّعنة.

(غ ل ف) و(ك ف ر): جَذرانِ من عائِلَةٍ دَلاليّةٍ واحِدة، التَّغطِيَة

وليسَ التَّجاوُرُ بَينَ «غُلف» و«كُفرِهِم» في الآيةِ ذاتِها مُصادَفة، والجِذرانِ يَتَقاطَعانِ على مَعنى التَّغطِية: (غ ل ف) غِشاءٌ يَلتَصِقُ بِالمَضمونِ فيَحجُبُه، و(ك ف ر) تَغطِيةٌ تَسُدُّ الحَقَّ بَعدَ مَعرِفَتِه. فالعِبارةُ تَكشِفُ أنَّ الغِلافَ الذي يَشكونَه هو نَفسُه فِعلُهُمُ المُستَمِرّ: هُم يُغَلِّفونَ قُلوبَهُم بِأيديهِم ثُمَّ يَشكونَ من أنَّ القُلوبَ مُغَلَّفة. وهذه واحِدةٌ من أدَقِّ مُفارَقاتِ القُرآن: يَستَخدِمُ جُملةَ الدَّعوى جُملةَ الرَّدّ، فيَجعَلُ السّائِلَ هو المُتَّهَم، والعاجِزَ هو الفاعِل.

«فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُون»: (أ م ن) بَقيّةُ الأَمانِ لا تُعَوِّضُ غِلافاً مَصنوعاً بِالإرادة

وقد تَقَدَّمَ الجِذرُ (أ م ن)، وهو إعطاءُ الأمانِ وإدخالُ الآخَرِ في دائِرةِ الاطمِئنان. فـ«قَليلاً ما يُؤمِنون» تَعني أنَّ ما يَبقى من قُدرَتِهِم على إعطاءِ الأمانِ قَليلٌ جِدّاً بَعدَ أن غَلَّفوا قُلوبَهُم، زِيادةً على أنَّهُم يُؤمِنونَ بِبَعضٍ ويَكفُرونَ بِبَعض. فالغِلافُ الذي صَنَعوه يَحجُبُ قُدرَتَهُم على أن يَطمَئِنَّ بِهِم أحَد، مَعَ حَجبِه الحَقَّ عَنهُم؛ لا يَأمَنُهُمُ القَريبُ ولا يُؤَمِّنونَ البَعيد. فالخَسارةُ مُضاعَفة: خَسِروا ما يَأتيهِم من الحَقّ، وخَسِروا ما كانوا يَقدِرونَ على بَذلِه من الأمانِ لِمَن حَولَهُم.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: (غ ل ف) غِشاءٌ يُصنَعُ بِالإرادةِ دونَ الخِلقة، و«بَل» تُبطِلُ الدَّعوى وتَقلِبُها سَبَباً، و(ل ع ن) فَصلٌ باطِنِيٌّ تَوَلَّدَ من فِعلِ التَّغطِية، و(غ ل ف) و(ك ف ر) عائِلةٌ واحِدةٌ تَكشِفُ أنَّ المُتَّهِمَ هو الفاعِل، و«قَليلاً ما يُؤمِنون» بَقِيّةُ أمانٍ لا تَسُدُّ الغِلافَ الذي صَنَعَته الأيدي.


حَصيلة

الادِّعاءُ «قُلوبُنا غُلف» من غ-ل-ف يَرسُمُ غِشاءً مُلتَصِقاً يَقطَعُ النُّفوذَ كغِمدِ السَّيفِ الذي يَحجُبُ حَدَّه، والحُجّةُ فيه ذَكاءٌ مُضمَر، تُلبِسُ الرَّفضَ ثَوبَ العَجزِ الخِلقِيِّ وتَسحَبُ التَّكليفَ بِحُجّةِ الفِطرة. و«بَل» تُبطِلُ الدَّعوى ولا تَستَدرِكُ عَلَيها: ما بَعدَها هو الأمرُ كَما هو. والباءُ في «بِكُفرِهِم» سَبَبِيّةٌ لا آلِيّة: اللَّعنُ من ل-ع-ن (فَصلٌ باطِنِيٌّ يَقطَعُ الرّابِطةَ بِالمَصدَر) تَوَلَّدَ من فِعلِ التَّغطِيةِ المُتَراكِم، ولم يُنزَلْ من خارِج. وليسَ التَّجاوُرُ بَينَ غ-ل-ف و ك-ف-ر في آيةٍ واحِدةٍ مُصادَفة: كِلاهُما مَعنى التَّغطِية، والغِلافُ الذي يَشكونَه هو نَفسُه فِعلُهُمُ المُستَمِرّ، وهذه من أدَقِّ المُفارَقاتِ القُرآنِيّة: السّائِلُ هو المُتَّهَم، والعاجِزُ هو الفاعِل. و«قَليلاً ما يُؤمِنون» تَكشِفُ أنَّ الخَسارةَ مُضاعَفة: الغِلافُ يَحجُبُ قُدرَتَهُم على أن يُعطوا أماناً يَستَقِرُّ فيهِم أحَد، كَما يَحجُبُ الحَقَّ عَنهُم. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: الغِلافُ مَصنوعٌ لا مَخلوق، واللَّعنُ أثَرٌ لا عُقوبة.