البقرة · الآية 89

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ

«كِتَابٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُم»: الوَصلُ قَبلَ المُصادَمة

الجِذرُ (ص د ق) يَحمِلُ مَعنى الصَّلابةِ وعَدَمِ الاضطِراب، فالصّادِقُ هو المُتَماسِكُ مَعَ الواقِع. و«المُصَدِّقُ لِما مَعَهُم» مَعناه أنَّ الكِتابَ الجَديدَ جاءَ يُثَبِّتُ صِدقَ ما عِندَهُم لا يَنقُضُه، وهذه العِبارةُ تَسحَبُ عنِ المُخاطَبِ كُلَّ حُجّةٍ تَقومُ على «هذا دينٌ آخَر». والقُرآنُ يَأتي شاهِداً لا ناقِضاً، ومُمَحِّصاً لِلنَّصِّ السّابِقِ لا مُبطِلاً لَه، ومَن رَدَّ المُصَدِّقَ فقد رَدَّ ما يُصَدِّقُه بِنَفسِه، لأنَّ الوَصلَ شَرطُ التَّصديق. والآيةُ تُحاكِمُ الأُمَمَ على قَطعِ الاتِّصالِ بَينَ حَلَقاتِ الكِتابِ الواحِد، ولا تُحاكِمُها على اختِلافِ الأنبِياء.

«كَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ»: (ف ت ح) كانوا يَعِدونَ بِالنَّصرِ ثُمَّ رَدّوه حينَ جاء

والجِذرُ (ف ت ح) نَواتُه «فَت»، وهي شَقٌّ دَقيقٌ يَفصِل، ثُمَّ تَأتي الحاءُ بِاحتِواءٍ يَلي النَّفاذ، فالفَتحُ كَشفٌ يَنفُذُ بَعدَ إزالةِ السِّداد، والاستِفتاحُ طَلَبُ هذا الكَشفِ لِصالِحِ طالِبِه. وكانوا يَستَفتِحونَ عَلى الَّذينَ كَفَروا، أي يَطلُبونَ الفَتحَ والنَّصرَ بِه، مُعامِلينَ الفَتحَ المُنتَظَرَ مِلكِيّةً لَهُم. فلَمّا جاءَ الفَتحُ لم يَكُن مِلكاً يَحتَجِنونَه: ادَّعَوه أوَّلاً سَنَداً لِتَفَوُّقِهِم، وأنكَروه حينَ لم يَعُدْ يُلَبّي هذا التَّفَوُّق. والخَلَلُ في شَرطِ الفَتحِ الذي وَضَعوه هُم، ولم يَكُنْ في الفَتح.

«فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه»: (ع ر ف) ظُهورٌ من العُمق و(ك ف ر) تَغطيتُه بَعدَ ظُهورِه

والجِذرُ (ع ر ف) نَواتُه «عَر»، وهي ظُهورٌ يَخرُجُ من العُمقِ بَعدَ التَّجَرُّد، ثُمَّ تَأتي الفاءُ بِتَمييزٍ يَفصِل. فالمَعرِفةُ إدراكٌ جاءَ بَعدَ انكِشاف، وليسَت إحساساً عامّاً، وقَولُه «ما عَرَفوا» بِصيغةِ الماضي يُثَبِّتُ أنَّ الانكِشافَ قد تَمَّ فِعلاً. ثُمَّ يَأتي الفِعلُ «كَفَروا بِه» من (ك ف ر)، وهو التَّغطِية، والتَّعاقُبُ حاسِم: ظُهورٌ من العُمقِ ثُمَّ غِطاءٌ يُرَدُّ عَلَيه. وهذا أشَدُّ صُوَرِ الكُفر، وهو دَفنٌ مَقصودٌ لِما انكَشَف، وليسَ جَهلاً ولا إعراضاً قَبلَ العِلم. ومَن كَفَرَ بَعدَ المَعرِفةِ فقدِ اعتَرَفَ أوَّلاً ثُمَّ ادَّعى بَعدَ ذلك أنَّه لم يَعرِف، وهذا نَقيضُ الصِّدقِ ذاتِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: (ص د ق) وَصلٌ يَسبِقُ المُصادَمة، و(ف ت ح) سِلاحٌ انقَلَبَ على حامِلِه، و(ع ر ف) ظُهورٌ من العُمقِ تَلَقّاه (ك ف ر) تَغطِية.


حَصيلة

المَشهَدُ مُرَكَّبٌ من طَبَقَتَين. الأُولى أنَّهُم كانوا من قَبلُ يَستَفتِحونَ، من ف-ت-ح (يَطلُبونَ الفَتحَ والنَّصر)، عَلى الَّذينَ كَفَروا، وكانَ هذا الاستِفتاحُ مَبنِيّاً على ظَنٍّ أنَّ الفَتحَ القادِمَ مِلكُهُم. والثّانيةُ أنَّهُم حينَ جاءَهُم «ما عَرَفوا» من ع-ر-ف (ظُهورٌ من عُمقٍ يَفصِلُ الشَّيءَ عَمّا حَولَه) كَفَروا بِه. والتَّسَلسُلُ حاسِم: تَغطِيةٌ على مَعرِفةٍ تَمَّت، لا جَهل، ودَليلُ أنَّهُم عَرَفوا: أنَّهُم كانوا هُم مَنِ استَفتَحَ بِه. أمّا العِلّةُ الحَقيقِيّةُ فكَشَفَتها الآيةُ التّالِيةُ (90): بَغيٌ من ب-غ-ي، أي طَلَبٌ مُجاوِزٌ لِلحَدّ، وضيقُ النَّفسِ أن يَنزِلَ الفَضلُ في غَيرِ مَن تَوَقَّعوه. و«مُصَدِّق» يَحمِلُ قاعِدةَ الإلزام: مَنِ اعتَرَفَ بِالمُصَدَّقِ لَزِمَه الاعتِرافُ بِالمُصَدِّق، لأنَّ التَّصديقَ إثباتٌ لِلصِّلة. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: الاستِفتاحُ سِلاحٌ انقَلَبَ على حامِلِه، والكُفرُ تَغطِيةٌ بَعدَ المَعرِفةِ لا قَبلَها.