آل عمران · الآية 128

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ

«لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ»: الأَمرُ لا يَنتَقِلُ إلى المُخاطَب

تَفتَحُ «ليس» نَفياً موجَّهاً إلى المخاطَبِ المفردِ من غير أن تُسمّيه الآية، وقُدِّمَ «لك» فظَهَرَ مَن يُنفى عنه الانتِساب، ثمّ جاءَت «من الأمر» و«شيء». والأمرُ من أ-م-ر قَطعٌ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ ثمّ يَجري مُستَرسِلاً في شأنٍ يَتَحقَّق. و«شيء» نَكِرةٌ مع «من» في سِياقِ النَّفي، فتَستَغرِقُ أدنى نَصيبٍ مُمكِن. والمَنفيُّ أن يكونَ للمخاطَبِ من الأمرِ شيءٌ أصلاً، ولا يَقِفُ النَّفيُ عندَ الاستِقلالِ بالأمر.

«أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ»: مَسارُ العَودِ يَبقى لله

و«أو» تَفتحُ مَساراً مُمكِناً بعدَ القَطعِ أو الكَبت: أن يَتوبَ عليهم. والتَّوبةُ من ت-و-ب إفلاتٌ لِمَسارٍ كانَ صاحِبُه يُمسِكُه، ورُجوعٌ يَمتَدُّ بِه إلى ما تَرَكَه، فتَنعَطِفُ الحَرَكةُ عائدةً إلى مَرجِعِها. والفِعلُ مُسنَدٌ إلى الضميرِ المُقدَّرِ العائدِ إلى الله، و«عليهم» يَجعَلُهم مَحلَّ هذا العَودِ والقَبول. ولم تُحدِّدِ الآيةُ مَن سيَقَعُ عليه هذا المَسارُ أو كَيف، وجَعَلَت إمكانَه خارجَ مِلكِ المخاطَبِ الذي نُفيَ عنه الأمر.

«أَوْ يُعَذِّبَهُمْ»: العَذابُ يَبقى في الجِهةِ نَفسِها

ثمّ تُعادُ «أو» فتَعطِفُ التعذيبَ على التَّوبة، فلا يَجمَعُ النصُّ المَسارَينِ في حُكمٍ واحدٍ على الأفراد. والتعذيبُ في ع-ذ-ب يَبدَأُ ظُهوراً من العُمق، ثمّ يَنفُذُ حادّاً مُتَّصِلاً، ثمّ يُمسَكُ أثرُه تحتَ ضَغطٍ فلا يَتَفَرَّق، وتَشديدُ الذّالِ يَجعَلُ هذا النُّفوذَ مُعاوَداً في إيقاعِه، لا ضَربةً واحدةً تَنقَضي. وضميرُ المفعولِ يَعودُ إلى الجماعةِ نفسها، والفاعلُ في المَسارَينِ واحدٌ لم يُصَرَّح به في أيِّهما، فجِهةٌ واحدةٌ تَملِكُ العَودَ والعَذابَ معاً، والتَّوبةُ أو العذابُ كلاهما داخِلُ الأمرِ الذي نُفيَ عن المخاطَب.

«فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ»: التَّعليلُ يَصِفُ حالَهم ولا يَملِكُ المَآل

والفاءُ تَربِطُ المَسارَينِ بتَعليلٍ مؤكَّد: إنّهم ظالمون. وفي ظ-ل-م غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، فيَصيرُ الحقُّ تحتَ غِطاءٍ يَحبِسُه عن صاحِبِه. وأوثِرَ في الوَصفِ الاسمُ على الفِعلِ الماضي، فهو إخبارٌ عن حالٍ قائمةٍ فيهم وقتَ الخِطاب، دونَ ظُلمٍ انقَضى. وجاءَ تَعليلاً للمَسارَينِ جميعاً، فهو يَشرَحُ لِمَ صارَ أمرُهم إلى غيرِهم، ويَترُكُ المَسارَ الواقِعَ بهم لصاحِبِ الأمرِ الذي انفرَدَ به. غيرَ أنَّ الوَصفَ لا يُعطي المخاطَبَ مِلكَ الحُكمِ النهائي، إذ سَبَقَتِ الجُملةُ الأولى فنَفَت عنه الأمر، وبَقيَت التَّوبةُ والعذابُ عندَ الله.


حَصيلة

تَقطَعُ الآيةُ أيَّ نَصيبٍ للمخاطَبِ المفردِ في الأمر، ثمّ تَفتحُ مَسارَينِ لا يَملِكُهما: أن يَتوبَ الله عليهم أو يُعذِّبَهم. ويَجيءُ وصفُهم بالظُّلمِ تعليلاً لحالِهم، لا تَفويضاً للمخاطَبِ في مَآلِهم، وبذلك تَفصِلُ العبارةُ بينَ معرفةِ الصِّفةِ ومِلكِ الحُكم، وبينَ ما يَظهَرُ من ظلمٍ وما يَختارُه الله من عَودٍ أو عذاب. والخِطابُ باقٍ على ما صاغَته الآية: كافٌ مُفرَدةٌ في «لك» يُنفى عنها النَّصيب، وهاءُ جَمعٍ في «عليهم» و«يُعَذِّبَهم» هي مَحلُّ المَسارَين، وفاعلٌ واحدٌ يَملِكُهما ولم يُذكَر بينَهما مرّتَين.