آل عمران · الآية 47

﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ

«أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ»: سؤالُ الطَّريقِ وحَدُّه المَذكور

تَسألُ مريمُ «أنّى» كما سَألَ زكريّا، لكنّها تُسمّي قَيداً آخر: لم يَمسَسْها بَشَر. الكَونُ من ك-و-ن إمكانٌ مَكتومٌ يَتَّصِلُ بطريقِ ظُهورِه ثمّ يَنبَعِث. والوَلَدُ من و-ل-د وَصلٌ يَمتَدُّ من صاحِبِه ويُدفَعُ إلى الخارِج. أمّا المَسُّ من م-س-س فاتِّصالٌ مُباشِرٌ يَسري ويُكثِّفُه التَّكرارُ الحَرفي. والآيةُ تُثبِتُ السؤالَ بلَفظِه وقَيدَه بلَفظِه: «أنّى يكون لي ولد» ثمَّ «ولم يمسسني بشر»، فالسؤالُ عن طَريقٍ والقَيدُ حَدٌّ تَعرِفُه صاحِبتُه من نَفسِها.

«كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ»: الجَوابُ يَنقُلُ النَّظَرَ إلى الخَلق

لا يَشرحُ «كذلك» آلِيّةً، بل يَنقُلُ الإمكانَ إلى فِعلِ الله. الخَلقُ من خ-ل-ق تَخلخُلٌ يَفتَحُ مَجالاً لصُورةٍ مُمتَدّةٍ ثمّ يُحكِمُها عندَ حَدِّها؛ إنشاءٌ بتَقديرٍ ضابِط. ومَفعولُ الخَلقِ هو «ما يشاء»، فتَسبِقُ المَشيئةُ الصُّورةَ ولا تُقيِّدُها الطُّرُقُ التي يَعرفُها السائل.

«إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا»: الحَسمُ يَسبِقُ القَول

القَضاءُ من ق-ض-ي حَسمٌ مُحكَمٌ يَضُمُّ المَسألةَ تحتَ ضَغطٍ ثمّ يَمُدُّ النَّتيجةَ إلى التَّنفيذ. والأمرُ من أ-م-ر قَطعٌ مُؤَكَّدٌ يَتَجَمَّعُ ثمّ يَجري أَثَرُه. الجُملةُ تَضَعُ القَضاءَ أولاً: إذا حُسِمَ الأمرُ صارَ القَولُ الذي يَليه مَعبَرَ تَحَقُّقِه.

«فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ»: القَولُ والوُجودُ مَربوطانِ بالفاء

«إنّما» تَحصُرُ المَشهَدَ، و«له» تُواجِهُ الأمرَ المَقضيَّ بخِطابٍ مُفرَد: «كن». ثمّ تَصِلُ الفاءُ الأمرَ بـ«يكون» وَصلاً لا فَجوةَ فيه، و«كن» و«يكون» من مادّةٍ واحِدة، فيَتَجاوَرُ الطَّلَبُ والحُدوثُ في لَفظَينِ من جِذرٍ واحِد. الكَونُ الذي سَألت مريمُ عن طَريقِه يَعودُ في الجَوابِ نتيجةً للقَول: ما كانَ سؤالَ إمكانٍ صارَ فِعلَ ظُهور.

المَنفِيُّ يَضبِطُ السُّؤالَ ولا يَضبِطُ الخَلق

يُعَيِّنُ «لم يمسسني بشر» الطَّريقَ الذي تَعرِفُ مريمُ أنَّه لم يَقَع، ولا يُحَوِّلُ هذا النَّفيَ إلى مَعرِفةٍ بكُلِّ ما يَقدِرُ عليه الخالِق. لذلك يَنتَقِلُ الجَوابُ من مَوضِعِ السُّؤالِ إلى مَن يَفعَلُ: «الله يخلق ما يشاء»، ثمَّ إلى القَضاءِ فالقَولِ فالكَون، فيَصيرُ المَسارُ كُلُّه مَنسوباً إلى مَصدَرِه. ما ضاقَ في مَعرِفةِ السَّائلةِ يَبقى صادِقاً في حَدِّه، لكنَّه لا يَصيرُ سِياجاً حولَ المَشيئة. هكذا يَحفَظُ النَّصُّ سُؤالَها ويَحفَظُ للجَوابِ مَصدَرَه.


حَصيلة

تُسمّي مريمُ القَيدَ كما تَراه: لا مَسَّ من بَشَر، فكيفَ يكونُ لها وَلَد؟ والجَوابُ لا يَنفي القَيدَ ولا يَملأُ الفَجوةَ بحِكاية، بل يَردُّها إلى خَلقٍ مَوصولٍ بالمَشيئة. ثمّ يَكشِفُ بِنْيةَ الفِعلِ داخِلَ الآية: قَضاءٌ يَحسِمُ الأمر، وقَولٌ واحِدٌ «كن»، وفاءٌ تَصِلُه بالكَون.