آل عمران · الآية 48

﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ

«وَيُعَلِّمُهُ»: الوَصفُ يَنتَقِلُ إلى التَّلقّي

والواوُ تَصِلُ هذه الآيةَ بأوصافِ البِشارة، ثمّ تَجعَلُ عيسى مَفعولاً للتَّعليم. والعِلمُ من ع-ل-م، وأصلُه ظُهورٌ من عُمقٍ يَمتَدُّ حتى يَتَجَمَّعَ علامةً مَضبوطة، وصيغةُ التفعيلِ في «يعلّمه» تَحمِلُ شُحنةً مُستَدامةً مُتَكَرِّرة، فتَجعَلُ التعليمَ مَساراً عامِلاً، لا لَحظةً عابِرة.

«الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ»: المَكتوبُ والمَوضِعُ المُحكَم

والكتابُ من ك-ت-ب، ومَعناه شَيءٌ يُحبَسُ بِضَغطٍ دَقيقٍ ويَتَّصِلُ بِمَحَلِّه فيَتَمَسَّكُ بِه، والحِكمةُ من ح-ك-م حياةٌ مُحتَواةٌ يَضبِطُها قَطعٌ ثمّ تَتَجَمَّعُ في وَحدةٍ مَتماسِكة، فهي وَضعٌ مُحكَمٌ لا يَتَفكَّك. والواوُ تَجمَعُ الكتابَ والحِكمةَ مَوضوعَينِ للتَّعليم، ولا تُذيبُ أحدَهما في الآخَر.

«وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ»: اسمانِ مُعَيَّنانِ داخِلَ القائمة

وذَكَرَ النَّصُّ بَعدَ «الكتاب» و«الحكمة» التَّوراةَ والإنجيلَ باسمَيهما، وتَكرارُ الواوِ يَحفَظُ لكلِّ عُنصرٍ مَوقعَه في العَطف، فلا يَختَصِرُ النَّصُّ الأربعةَ في اسمٍ واحِد، والتَّعليمُ المذكورُ في الصَّدرِ عامِلٌ في القائمةِ كلِّها.

مَن سيُكلِّمُ الناسَ يَتَلَقّى أوّلاً

جاءَ في الآيةِ السّابقةِ أنَّه يُكلِّمُ الناس، ثمَّ جاءَت هذه الآيةُ فوَضَعَت قبلَ ما يَخرُجُ منه ما يَدخُلُ إليه بالتَّعليم. والقُدرةُ على الكلامِ لا تُصَوَّرُ مَنبَعاً مُستَقِلّاً، وصاحِبُها مَفعولُ عِنايةٍ تَكشِفُ له وتَجمَعُ له العلامات. وبذلك يَسبِقُ التَّلَقّي العَطاءَ ويُرافِقُه، فمَن يَبلُغُ الناسَ بكلامٍ يَحمِلُ في وَصفِه أنّ اللهَ يُعلِّمُه. والعِلمُ مَجرىً يُهَيِّئُ ما سيَحمِلُه صاحِبُ الاسم، وليس زينةً مُضافةً إلى الاسم.

وتَبدأُ القائمةُ بـ«الكتاب» و«الحكمة»، أي بجَسدٍ تَنتَظِمُ أَجزاؤُه، ووَضعٍ يُحكِمُ ما يَنبَغي أن يَقومَ في مَوضِعِه، والواوُ تَحفظُ بينهما صلةً وفرقاً، فالكتابُ أجزاءٌ موصولةٌ تُحمل، والحكمةُ قدرةٌ على وضعِها وضبطِها في مواضعها. واجتماعُهما في التعليمِ يَصلُ ما يُتلقّى بالبنيةِ التي تُقيمُه قابلاً للفهمِ والحمل.

ثمَّ إنّ الاسمَينِ المُعَيَّنَينِ لا يَذوبانِ في «الكتاب» العامّ، وذِكرُ التَّوراةِ والإنجيلِ بَعدَه يَجعَلُ التَّعليمَ واسِعاً بما يَجمَع، ودَقيقاً بما يُبقي من حُدود. والآيةُ لا تُرتِّبُ خارِجَ ألفاظِها حِكايةً للأسماءِ الأربعة، غيرَ أنّها تَمنَعُ القارئَ من مَحوِ واحدٍ منها، فكُلُّها داخِلُ فِعلٍ واحِد، وكُلُّها مَحفوظٌ باسمِه أو وَصفِه. ووَحدةُ المَصدَرِ لا تَقتَضي وَحدةَ المَوضوع، وتَعَدُّدُ المَوضوعاتِ لا يَقطَعُها عن المُعلِّم.


حَصيلة

يَنتَقِلُ الوَصفُ من الكلامِ والصَّلاحِ إلى التَّلقّي: اللهُ يُعلِّمُه. ويَحمِلُ التَّعليمُ شُحنةً مُستَدامةً تَتَّسِعُ لأربعةِ مَعطوفاتٍ مَحفوظةِ الحُدود: الكتاب، والحِكمة، والتَّوراة، والإنجيل. والذي يَجمَعُها فِعلُ التعليم، لا مَحوُ الفُروقِ بينها.