آل عمران · الآية 54

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

«وَمَكَرُوا»: فِعلٌ جَماعيٌّ مَطويّ

تَفتَحُ الواوُ الآيةَ بفِعلٍ يُضافُ إلى جَمعٍ حاضرٍ في السياق: «مكروا». والمَكرُ من م-ك-ر، وأصلُه احتِواءٌ باطِنٌ يُمسِكُ ما فيه، يَلقاه كَتمٌ واحتِباس، ثمّ يَجري أَثَرُه مُستَرسِلاً إلى الخارِج. فالفعلُ يَحملُ بنيةَ تدبيرٍ مطويِّ المسار، والجمعُ يَجعله فعلَ أطرافٍ متعدّدة، ويَكفي اللفظُ لتثبيتِ حقيقةِ المشهد، وهي تدبيرٌ صدرَ منهم وظلَّ طريقُه مستوراً عمَّن يتوجّهُ إليه.

«وَمَكَرَ اللَّهُ»: اللفظُ الواحِدُ لا يُسَوّي بينَ المُدَبِّرَين

وتَصِلُ الواوُ الفعلَ الأوّلَ بفعلٍ ثانٍ يحملُ الجذرَ نفسه، غيرَ أنّ الفاعلَ يُذكرُ اسماً ظاهراً: الله. وهذا التماثلُ يَصنعُ مواجهةً داخلَ الجملة، ويُخرجُ تدبيرَهم من وهمِ المشهدِ ذي الطرفِ الواحد. ثمّ تَحكمُ الخاتمةُ بينَ الطرفين، فيَبقى التدبيرانِ مطويَّي المسار، ويَفصلُ «خير الماكرين» بينَ قدرتيهما وموقعَيهما.

«وَاللَّهُ»: عَودةُ الاسمِ تُعيدُ المَركزَ إلى مَن يَحكُم

وبعدَ الوُقوفِ عندَ الجُملتَينِ القَصيرتَين تَبدأُ الخاتِمةُ بواوٍ وباسمِ اللهِ مَرّةً أُخرى. وكانَ الاسمُ في الجُملةِ الثانيةِ فاعِلاً في مُقابَلةِ فِعلِهم، ثمّ صارَ في الثالثةِ مُبتَدأً يَحمِلُ الحُكمَ النِّهائي، وهذه الإعادةُ تَمنَعُ ميزانَ القِراءةِ من أن يَبقى مُعلَّقاً عندَ التَّوازي «مكروا ومكر الله». والتَّوازي مَرحلةٌ في البِناءِ غيرُ خُلاصتِه، والخُلاصةُ تَبدأُ عندما يَعودُ الاسمُ ويُسنَدُ إليه «خير». فالمَركزُ مَن يُصدِرُ الحُكمَ على مَوقعِ التَّدبيرَين، وليس التَّدبيرَينِ مُتجاورَين.

«خَيْرُ الْمَاكِرِينَ»: المُقارَنةُ تَكسِرُ التَّماثُل

والخَيرُ من خ-ي-ر، ومادّتُه اختِراقٌ يَفتَحُ مَساراً، ثمّ يَمتَدُّ فيه الحَرفُ اللَّيِّنُ ويَسري، ويَجري أَثَرُه مُستَرسِلاً إلى غايتِه. و«خير» في هذا التَّركيبِ للمُفاضَلة، فتَضَعُ مَكرَ اللهِ فوقَ مَكرِ الماكرين. و«الماكرين» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ التَّدبيرَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً في الجَمعِ الذي يَشمَلُه الحُكم، غيرَ أنّ مَوقِعَ «خير» يُسنَدُ إلى اللهِ وحدَه، فيَكسِرُ التَّوازيَ ويَحسِمُه، ويَخرُجُ الاسمُ من عِدادِ الجَمعِ إلى مَوضِعِ الحُكمِ عليه. فالآيةُ تَستَخدِمُ الجِذرَ الواحِدَ ثمّ تَمنَعُ منه استِنتاجَ التَّساوي.


حَصيلة

تَقتَصِدُ الآيةُ في الحكايةِ وتتّسعُ في البنية: تَضعُ فعلينِ من جذرٍ واحدٍ في مواجهة، هما مكروا ومكر الله، ثمّ تعودُ باسمِ اللهِ وتنقلُه إلى مركزِ الحكم: «والله خير الماكرين». والمكرُ في الطرفينِ تدبيرٌ مطويُّ المسار، غيرَ أنّ الخيرَ يَفتحُ مسارَ المفاضلةِ ويحسمُها، فيَصيرُ تدبيرُهم واقعاً تحتَ موقعِ اللهِ الأخيرِ لا مقياساً له.