آل عمران · الآية 61

﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ

«فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ»: شَرطٌ يَفتَحُه التَّنازُعُ في المَذكور

الفاءُ تَصِلُ هذه الآيةَ بالحقِّ المُثبَتِ في سابِقتِها، ثمّ تَفتَحُ «مَن» شَرطاً يَشمَلُ كلَّ مَن يَقَعُ منه الفِعل. والمُحاجّةُ من ح-ج-ج، وأصلُه احتِواءٌ يَضيقُ فيه المَجرى ثمّ يَتَجَمَّعُ ويَبرُز، والحَرفُ المُكَرَّرُ يُضاعِفُ عَقدَ الحُجّةِ ومُقابَلتَها بحُجّة، وصيغةُ المُفاعَلةِ تَجعَلُ الفِعلَ جارياً بينَ طَرَفَين. والضَّميرُ في «فيه» يَحفَظُ مَوضوعَ الجِدالِ مَربوطاً بما سَبَق، فيَبقى المُتنازَعُ فيه هو الحَقَّ الذي أَثبَتَته الآيةُ قَبلَها، ويَبقى بابُ الشَّرطِ مَفتوحاً لكلِّ مَن قامَ منه هذا الفِعل.

«مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ»: العِلمُ حَدٌّ زَمنيٌّ ومِعيار

ويَقعُ الشرطُ «من بعد ما جاءك من العلم»، والعِلمُ من ع-ل-م، ومَعناه ما ظَهَرَ من عُمقِه فتَعَلَّقَ بمَعلومِه ثمّ اجتَمَعَ في علامةٍ مَمسوكة. ومَحَلُّ النَّظَرِ في هذا المَوضِعِ أنّ العِلمَ جاءَ واصِلاً بنَفسِه إلى المُخاطَب، فالفِعلُ «جاءك» يُسنِدُ الحَرَكةَ إليه دونَ طالِبِه، و«مِن» في «من العِلم» لبَيانِ جِنسِ ما وَصَل. فالمُحاجّةُ إذاً واقِعةٌ بعدَ حُضورِ علامةٍ مُمسَكة، لا بعدَ ظَنٍّ سائِل، وهذا التَّرتيبُ هو الذي يَنقُلُ الجَوابَ من مُقابَلةِ قَولٍ بقَولٍ إلى دَعوةٍ تَختَبِرُ صِدقَ المَواقِف.

«تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا ... وَأَنفُسَكُمْ»: تَناظُرٌ لا يَستَثني الدّاعي

وتَأتي فاءُ الجَوابِ بالأَمرِ «قل»، ثمّ يَطلُبُ القولُ من الطَّرَفِ الآخَرِ أن يَقتَرِب: «تعالوا». والدُّعاءُ من د-ع-و، وأصلُه دَفعٌ يَنفُذُ ويَظهَرُ من العُمق، ثمّ يَصِلُ المَدعوَّ بوَصلٍ مَمدود. ويأتي التَّعدادُ في أزواجٍ مُتَناظِرة: أبناءَنا وأبناءَكم، ونساءَنا ونساءَكم، وأنفسَنا وأنفسَكم، وضَميرُ «نا» يَسبِقُ ضَميرَ «كم» في كلِّ زَوج، فلا يَطلُبُ المتكلِّمُ كُلفةً يَغيبُ هو عنها.

«ثُمَّ نَبْتَهِلْ»: بَعدَ الجَمعِ انكِشافٌ في الدُّعاء

و«ثمّ» تَفصِلُ بينَ الاستِدعاءِ والفِعلِ الذي يَأتي بعدَ الحُضور. والابتهالُ من ب-ه-ل، ومادّتُه اتصالٌ يَفتَحُ مَجرىً خالياً ويُفرِغُ فيه النَّفَس، ثمّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بوِجهتِه، وصيغةُ الافتِعالِ تَحمِلُ دُخولَ الفاعِلينَ في الفِعلِ وقَصدَهم إليه، وضميرُ الجَمعِ في «نبتهل» يَبقى شامِلاً. وتُعطي الآيةُ بِنْيةَ الدَّعوةِ كامِلةً في ثَلاثِ حَرَكات: نِداءٍ بالاقتِراب، ثمّ جَمعٍ مُتَناظِرٍ يَدخُلُه الطَّرَفانِ بأقرَبِ ما لَهُما، ثمّ ابتِهالٍ يَقَعُ فيه الجَميعُ تحتَ سُؤالٍ واحِد.

«فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ»: المِعيارُ يَقَعُ على الصِّفة

والفاءُ تَصِلُ الابتهالَ بنتيجتِه المقصودة. واللَّعنةُ من ل-ع-ن، ومَدارُها على تَعَلُّقٍ يَظهَرُ من العُمقِ ثمّ يَنبَعِثُ خارِجاً فيَرسُمُ إبعاداً، وهي مُضافةٌ إلى الله، لا إلى مِلكِ الطَّرَفَين، ومَحلُّها «على الكاذبين». والكَذِبُ من ك-ذ-ب، وهو كَتمٌ يُبرِزُ صورةً تَنفُذُ بحِدّةٍ ثمّ تَتَّصِلُ بالمَحلِّ كأنّها ثابتة، و«الكاذبين» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ الكَذِبَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّة. فالجُملةُ تُعَلِّقُ اللَّعنةَ بالصِّفةِ نَفسِها، فتَقَعُ حَيثُ وُجِدَت، ويَدخُلُ الطَّرَفانِ الدَّعوةَ وكلٌّ منهما يَحمِلُ قَولَه إلى مِعيارٍ واحِد.


حَصيلة

يَبدأُ المَسارُ بمُحاجّةٍ تَأتي بعدَ وُصولِ العِلم، فلا يَبقى الجِدالُ مفتوحاً بلا حَدّ، ثمّ يَأتي الجَوابُ دَعوةً مُتَناظِرةً تُدخِلُ أبناءَ الطَّرَفَينِ ونساءَهما وأنفسَهما، وتَنقُلُ الجميعَ من المُحاجّةِ إلى الابتهال. وفي الخاتِمةِ وُضِعَتِ اللَّعنةُ على الكاذبينَ بوَصفٍ فاعِلٍ مُستَمِرّ، وعُدِلَ بها عن اسمِ جَماعة. وبهذا يَنتَقِلُ الكلامُ من حُجّةٍ تُقابِلُ حُجّةً إلى مَشهدٍ يَحمِلُ فيه كلُّ طَرَفٍ قولَه ويُدخِلُ نَفسَه تحتَ مِعيارِ الصِّدق.