القارعة · الآية 5

﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ

«الجِبال»: المَركَزُ الذي تَزُولُ مَركَزِيَّتُه

الجَبَلُ في العَرَبيَّةِ من جَذرِ ج-ب-ل: تَكَوُّمٌ صَلبٌ مُلتَصِقٌ بالأَرضِ مِن داخِل. ولذلك يُقالُ «الناسُ مَجبولونَ على كَذا» = مَطبوعونَ بطَبعٍ راسِخٍ لا يَنفَكُّ عَنهم. الجَبَلُ والجِبِلَّةُ والجِبِلَّةُ من جَذرٍ واحِد: الراسِخُ الذي لا يَتَحَوَّل.

وهذا ما يَجعَلُ الانقِلابَ صادِماً. لو قِيلَ «الأشجارُ كالعِهنِ المَنفوش» لَما كانَ المَشهَدُ مُفاجِئاً. لكنَّ الجَبَلَ، الذي اختارَهُ القرآنُ في مَوضِعِ التَّحَدّي: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، هذا الجَبَلُ نَفسُه يَنفَشُ.

والكتابُ في البَقَرَةِ نَفسِها يَستَعمِلُ الجِبالَ كَرَمزِ ثَباتٍ مُؤَقَّت: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾. الجَبَلُ في تَصَوُّرِ بَني إسرائيلَ كانَ مَأوى ثَبات؛ نُتِقَ فَوقَهم فإذا هو ظُلَّةٌ مَعلَّقَة. حتى الجَبَلُ ليس راسِخاً عند خالِقِه، إنّما هو مَوضِعٌ يَختَبِرُ به الإنسانَ في وَهمِه بالثَّبات.

«العِهن»: الصوفُ المُلَوَّن، لا الصوفُ المُجَرَّد

العَرَبُ تَختارُ في تَشبيهاتِها أَدَقَّ التَّمييزات. لم يَقُل الكتابُ «كالصوفِ المَنفوش»، بل «كالعِهن». والعِهنُ صُوفٌ مَصبوغٌ ألواناً. والاختِيارُ مَقصود: ألوانُ الجِبالِ تَتَفاوَتُ. مِنها الأَبيَضُ كالكافور، ومِنها الأَحمَرُ كالعَقيق، ومِنها الأَسوَدُ الفاحِم. كلُّ جَبَلٍ في الأَرضِ لَهُ لَونٌ يَخُصُّه.

والقرآنُ التَقَطَ هذا الاختِلافَ في مَوضِعٍ آخَرَ صَريحاً: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾. ألوانُ الجِبالِ كاتِبٌ يَكتُبُ بألوانِه على وَجهِ الأَرض. فإذا جاءَ يَومُ القارِعَة، ذابَت هذه الكِتابَةُ المُلَوَّنَة، وانفَشَّت في الهَواءِ كَخُيوطِ صوفٍ تَتَطايَرُ.

كلُّ مَن دَخَلَ مَخزَنَ صوفٍ مَنفوشٍ يَعرِفُ هذه الصورَة. خُيوطٌ خَفيفَةٌ مُلَوَّنَةٌ، تَستَجيبُ لأَيِّ نَفَخَة، لا وَزنَ لها يَستَقِرُّ في يَد. هذا ما تَكشِفُه القارِعَةُ عن الجِبال: ما كانَت كُتلَةً، إنّما كانَت خُيوطاً مَجموعَة.

«المَنفوش»: آخِرُ مَراحِلِ التَّفكيك

الجذرُ ن-ف-ش يَدُلُّ على فَرقِ الشَّيءِ المُتَلَبِّدِ بِنَفخٍ يُدخِلُ الهَواءَ في خُيوطِه. والصُّوفُ يَنفَشُ بآلَةٍ تُسَمّى «النَّداف»، تَفصِلُ خُيوطَه عن بَعضِها حتى يَصيرَ كُتلَةً هَوائيَّةً مُتَفَرِّقَة. والمَنفوشُ في غايَةِ الخِفَّة: يَكفي نَفَخَةٌ ليَتَطايَر.

وهذا ما يَجعَلُ صورَةَ الجِبالِ في الآيَةِ على هذا الحَدِّ من الصَّدمَة: لَيسَت تَتَفَكَّكُ تَفَكُّكاً عاديّاً، بل تَنفَشُ نَفشاً تامّاً. كلُّ خَيطٍ من خُيوطِها يَتَطايَرُ. لا يَبقى منها كُتلَةٌ تُمسَكُ بها يَد. وفي الآيَةِ السابِقَةِ كانَ الناسُ كالفَراشِ المَبثوث؛ في هذه الآيَةِ تَكونُ الجِبالُ كالعِهنِ المَنفوش. الكَونُ كلُّه يَخفُّ في يَومٍ واحِدٍ، الناسُ والجِبالُ مَعاً.


حَصيلة

الصورَةُ الثانيَة بَعدَ الفَراشِ المَبثوث: الجِبالُ كالعِهنِ المَنفوش. الانتِقالُ مِن أَصغَرِ الأَشياءِ وَأَخَفِّها (الفَراشُ) إلى أَكبَرِها وَأَثقَلِها (الجِبال). كِلاهُما في يَومِ القارِعَةِ يَنقَلِبُ إلى ما هو الضِّدّ. الفَراشُ لا وَجهَةَ لَه أَصلاً؛ وَالجَبَلُ الذي كانَ رَمزَ الرُّسوخِ يَتَحَوَّلُ إلى خُيوطٍ تَتَطايَرُ.

وَاختِيارُ «العِهن» بَدَلَ «الصوف» مَقصود. العِهنُ هو الصُّوفُ المَصبوغُ أَلواناً. وَالقُرآنُ وَصَفَ الجِبالَ في مَوضِعٍ آخَرَ بِتَنَوُّعِ أَلوانِها: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾. الجَبَلُ المُتَعَدِّدُ الأَلوانِ يَتَحَوَّلُ إلى عِهنٍ مُتَعَدِّدِ الأَلوانِ. وَجِذرُ (ن-ف-ش) يَدورُ على فَرقِ الشَّيءِ المُتَلَبِّدِ بِنَفخٍ يُدخِلُ الهَواءَ في خُيوطِه. النَّداف يَنفُشُ الصُّوفَ فَيَتَفَرَّقُ خُيوطاً هَوائيَّةً لا ثِقَلَ لَها. «المَنفوش» في غايَةِ الخِفَّة: تَكفيه نَفخَةٌ لِيَتَطايَر.

وَجِذرُ (ج-ب-ل) نَفسُه يَدورُ على الرُّسوخِ الطَّبيعيّ. «الناسُ مَجبولونَ على كَذا» أَي مَطبوعونَ بِطَبعٍ لا يَنفَكّ. الجَبَلُ هو الأَرسَخُ في الأَرض، وَالبَقَرَةُ تُذَكِّرُ بِأَنَّ الجِبالَ نَفسَها رُفِعَت فَوقَ رُؤوسِهم: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾. وَما نُتِقَ مَرَّةً يَنفَشُّ في يَومٍ آخَر. الثَّباتُ كانَ عاريَةً، لا مِلكاً.