العصر · الآية 1

﴿وَالْعَصْرِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالْعَصْرِ

«وَ» القَسَم: استِدعاءُ الشاهِد قَبلَ نُطقِ التُّهمَة

القُرآنُ لا يُقسِمُ اعتباطاً، وكُلُّ قَسَمٍ في الكتابِ استِدعاءٌ لِشاهدٍ يَتَّصِلُ بِمَوضوعِ الجوابِ اتِّصالاً دَقيقاً: فالقَسَمُ بالقَلَمِ يُمَهِّدُ لِما يَلي مِن تَبرِئةِ المُخاطَبِ مِمّا رُمِيَ بِه مِنَ الجُنون، والقَسَمُ بالشَّمسِ يُمَهِّدُ لِما يَلي مِن نَفسٍ مُسَوّاةٍ أُلهِمَت فُجورَها وتَقواها، والقَسَمُ بِالعَصرِ هُنا يُمَهِّدُ لِما يَلي مِن حُكمٍ على الإنسانِ ذاتِه: «إنَّ الإنسانَ لَفي خُسر». ويُستَشهَدُ الزَّمَنُ لأنَّ ما سَيُقالُ بَعدَه شَهادةٌ لا تَسقُط.

وكَأنَّ السورةَ تَنهى عن أن يُؤخَذَ حُكمُها عَلى الإنسانِ مِن لِسانٍ مُجَرَّد، وتُقيمُ الزَّمَنَ نَفسَه شاهداً، وهو الذي يَعصِرُ الأَعمارَ فَيَستَخرِجُ مِنها ما تَخَفَّى ثُمَّ يَنصَرِف، وفيما يُرى فيه حِقبةً بَعدَ حِقبَةٍ كِفايَة.

«العَصر»: ضَغطٌ يَستَخرِجُ، لا مُجرَّدُ زَمَنٍ يَمضي

في العربيّةِ ألفاظٌ كَثيرَةٌ لِلزَّمَن: «الدَّهر»، «الحِين»، «الوَقت»، «الزَّمَن»، «الأَمَد»، واختارَ الكتابُ من بَينِها «العَصر»، وَلِلاختيارِ سَبَب. فـ«الدَّهرُ» مُدّةٌ مُمتَدّةٌ بِلا نِهاية، و«الحِينُ» قِطعةٌ غَيرُ مَحدودةِ الطَّرَف، و«الوَقتُ» نُقطة، و«الأَمَدُ» مُدّةٌ ذاتُ غاية، أمّا «العَصرُ» وحدَه فَهُوَ الزَّمَنُ بِما هُوَ عاصِر: زَمَنٌ يُمارِسُ ضَغطاً، ويَكشِفُ ما في الأَوعيَة، ويَفصِلُ الزَّيتَ عَنِ الثُّفل.

وَالعَصرُ في النَّهارِ هو الوَقتُ الذي اعتَصَرَتِ الشمسُ فيه ضوءَها فَلَم يَبقَ مِنهُ إلّا ما يَستَطيلُ في الظِّلال، وهو في التَّاريخِ الحِقبةُ التي اعتَصَرَتِ الأُمَمُ فيها مَعدِنَها فَخَرَجَ ما خَرَج: مَنِ احتَفَظَ بِنَفسِه، وَمَن ضاعَ في الكَفّ، وهو في عُمرِ الإنسانِ السِّنونَ ذاتُها، تَعصِرُه حَتّى يَخرُجَ ما فيه. والكَشفُ فيه غَيرُ مُؤَجَّل، فهو واقِعٌ بِالاحتِكاكِ نَفسِه.

وَلِذَلكَ كَأنَّ الآيةَ الأُولى تَقولُ لِلقارئ: لَستُ مُحتاجاً إلى يَومٍ آخَرَ لِأَكشِفَ لَكَ ما في الإنسان، والزَّمَنُ الذي تَعيشُه الآنَ يَفعَلُ ذَلكَ لَك، وأنتَ في مِعصَرَة، وَما يَخرُجُ مِنكَ في كُلِّ ساعةٍ هو إجابتُك.

قَصرٌ كَثَقَلٍ يَلتَئِم: لِمَ كَلِمتانِ كافِيَتان

السُّوَرُ القِصارُ في القُرآنِ لا يُقاسُ ثِقَلُها بِطولِها: آيَتان، ثَلاث، خَمس، وَيَخرُجُ مِنها ما يَخرُج. فالفاتحةُ سَبع، وَفيها بِنيَةُ الدُّعاءِ كُلُّها، وَالعَصرُ ثَلاث، وَفيها مِنطَقُ النَّجاةِ كُلُّه. وَأَعجَبُ ما في هذه السورةِ أَنَّها تَفتَتِحُ بِكَلِمَتَين فَقَط، ثُمَّ تَنتَهي مِنَ القَسَمِ إلى الجواب، بِلا اسْتِطرادٍ ولا تَوسُّع: شاهِدٌ يُستَدعى، ثُمَّ شَهادةٌ تُتلى.

وَفي هذا أَدَبٌ مِنَ الكتاب: حينَ يَكونُ المَوقفُ ثَقيلاً يَخِفُّ اللَّفظ، وَحينَ يَكونُ الشَّاهِدُ بَيِّناً يَنقُصُ الكَلام. والزَّمَنُ شاهدٌ على نَفسِه، ومَن يَرى السنينَ تَمُرّ يَرى المِعصَرةَ تَعمَل، والكتابُ لا يَحتاجُ إلى أن يَشرَحَ ذَلك، فهو يُقسِمُ بهِ ثُمَّ يَنطِقُ بِالحُكم.

وَيَبقى القارئُ بَينَ كَلِمَتَين: وَالْعَصْرِ﴾، فالواوُ تَشُدُّه إلى الشاهِد، وَالعَصرُ يَعصِرُه هو نَفسُه، وفي ثَوانٍ مِنَ الإصغاءِ تَفعَلُ الكَلِمَتانِ فيه ما تَقولان.


حَصيلة

تَفتَحُ السورَةُ بِكَلِمَتَين: واوِ القَسَمِ وَالشاهِد، وَالشاهِدُ المُستَدعى هُنا هو الزَّمَنُ نَفسُه، دونَ الشَّمسِ واللَّيلِ والقَلَم. وجِذرُ (ع-ص-ر) يَدورُ على ضَغطٍ صُلبٍ يَجري على الشَّيءِ مُتَكَرِّراً، كَما تُعصَرُ الزَّيتونَةُ في المِعصَرَةِ فَيَخرُجُ زَيتُها، والمُرادُ الزَّمَنُ الضّاغِطُ الذي يَعصِرُ الكائِنَ حَتى يَظهَرَ ما فيه، لا الزَّمَنُ الذي يَمُرُّ هادِئاً.

وَالعَصرُ في النَّهارِ وَقتٌ اعتَصَرَتِ الشَّمسُ فيه ضَوءَها، وفي التَّاريخِ حِقبَةٌ اعتُصِرَت فيها الأُمَم، وفي عُمرِ الإنسانِ هو السِّنونُ التي تَعصِرُه حَتى يَخرُجَ ما فيه، والكَشفُ لا يُؤَجَّل، إذ هو واقِعٌ بِالاحتِكاكِ نَفسِه. وَالقُرآنُ لا يُقسِمُ اعتِباطاً، والقَسَمُ بِالعَصرِ يُمَهِّدُ لِحُكمٍ على الإنسانِ ذاتِه، ويُستَشهَدُ الزَّمَنُ لِأَنَّ شَهادَتَه لا تَسقُط.

وَفي قِصَرِ السورَةِ حِكمَة، فهي ثَلاثُ آياتٍ فيها مِنطَقُ النَّجاةِ كُلُّه، وَأَوَّلُها كَلِمَتان: قَسَمٌ وَشاهِد، وكَأَنَّ الكتابَ لا يَستَأذِنُ القارئَ في التَّشخيص. والزَّمَنُ شاهِدٌ على نَفسِه، ومَن يَرى السِّنينَ تَمُرُّ يَرى المِعصَرَةَ تَعمَل.