العصر · الآية 2

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ

«إنَّ … لَ …»: ثَلاثَةُ أَقفالٍ على بابٍ واحِد

تَعرِفُ العربيّةُ مَراتِبَ في التَّوكيد: فالجُملةُ الخَبَريّةُ المُجرَّدةُ تُلقي الخَبَرَ كَما هو، ثُمَّ تَدخُلُ «إنَّ» فَتَجعَلُه مَنصوصاً عَلى تَأكيد، ثُمَّ تَدخُلُ اللام في خَبَرِها فَتَزيدُ التَّأكيدَ تَوكيداً، ثُمَّ يَأتي الفِعلُ أَو الحالُ فَيَستَوفي ما بَقي. واجتِماعُ «إنَّ» وَ«اللام» مَعاً نَصٌّ عَلى أَنَّ المُتَكَلِّمَ لا يَتَوَقَّعُ مِنَ المُخاطَبِ إنصاتاً بِإذعان، وهو يَتَوَقَّعُ مِنه مُقاوَمَة، وَلِذَلكَ يَضَعُ القَفلَ عَلى القَفل.

وَهذا اختِيارٌ مَفهوم، فالإنسانُ لا يُحبُّ أَن يُقالَ لَه إنَّه في خُسر، ويَرى نَفسَه في كَسبٍ غالِباً: هذا اليَومُ مَكسَب، وهذه الصَّفقةُ مَكسَب، وهذا العامُ مَكسَب. وَالكتابُ يَعرِفُ هذه المُقاوَمَة، فَيَدخُلُ بِأَدَواتِ التَّوكيدِ كُلِّها مَعاً، كَأنَّه يُغلِقُ على السامِعِ بابَ التَّفَلُّت، ويُلزِمُه حُكماً ثَلاثيَّ التَّأمين.

«الإنسان» بِالألفِ واللام: الإنسانُ بِلا قَيد

و«الإنسان» في العربيّةِ اسمٌ لِلجِنسِ غَيرُ مُسَمٍّ لِفَرد، وَ«ال» فيها لِلاستِغراق: كُلُّ مَن يَصدُقُ عَلَيهِ اسمُ الإنسان. وعُدِلَ عن «إنَّ الكافِرَ في خُسر» و«إنَّ الظالِمَ في خُسر» و«إنَّ الجاهِلَ في خُسر» إلى «الإنسان»، وكَأنَّ الآيةَ تُقَرِّرُ أَوَّلاً، قَبلَ أَن يَنقَسِمَ النَّاسُ إلى مَن آمَنَ وَمَن لَم يُؤمِن، أَنَّ نُقطةَ الانطِلاقِ واحِدة، فالنّاسُ كُلُّهُم في الخُسرِ ابتِداءً. والاستِثناءُ سَيَأتي، لَكِنَّه استِثناءٌ مِن أَصلٍ شامِل، وليسَ قاعِدةً يَصِحُّ لَها وَجهان.

وَجَذرُ الكَلِمةِ نَفسُه فيهِ مَعنىً يَستَحِقُّ الإِصغاء، فـ«الإنسان» مِن جذرٍ يَدورُ على الأُنسِ وَالحَركةِ وَفُقدانِ الذِّكر، وهو الذي يَأنَسُ بِما حَولَه فَيَنسى، ويَتَحَرَّكُ فَيَنشَغِل. وهذه طبيعَتُه، وَفيها قِوامُه، وَفيها أَيضاً مَدخَلُ الخُسرِ إلَيه، إذ الكائِنُ الذي يَأنَسُ يَنسى ما هُوَ فيه، والذي يَنسى ما هُوَ فيه يَخسَرُ بِالاسترسالِ نَفسِه، لا بِفِعلٍ مَخصوص.

«لَفي خُسر»: الخُسرُ مَوضِعٌ، لا حادِثَة

و«في» في العربيّةِ ظَرفُ مَكان، فحينَ يُقالُ «هو في الدَّار» فَهُوَ داخِلَها تُحيطُ بِه، وَحينَ يُقالُ «هو في الخُسر» فَهُوَ كَذَلكَ مُحاطٌ بِه، والخُسرُ هُوَ الوَسَطُ الذي يَسبَحُ فيه. وعُدِلَ عن «خَسِرَ الإنسان»، وهو يَجعَلُ الخُسرَ حَدَثاً ماضياً انتَهَى، وعن «يَخسَرُ الإنسان»، وهو يَجعَلُه حَدَثاً يَتَكَرَّر، إلى «في خُسر»، فالإنسانُ مَوضوعٌ في خُسر، كَالسَّمَكةِ في الماء.

وَجَذرُ «خُسر» (خ س ر) يَدورُ في اللسانِ عَلى نُقصانٍ يَسري ويَمتَدّ، فهو نُزولٌ هادئٌ مُستَمِرٌّ في الرَّصيد، غَيرُ نُقصانٍ مُفاجئ. والتَّاجِرُ الذي خَسِرَ يَخرُجُ في الأكثَرِ كُلَّ يَومٍ بِأَقَلَّ مِمّا دَخَلَ، ولا يَفقِدُ مالَه دَفعةً واحِدة. وَالعَصرُ الذي أُقسِمَ بِه في الآيةِ السابقةِ يَفعَلُ ذَلكَ بِالضَّبط، فيُنقِصُ مِنَ العُمرِ كُلَّ يَومٍ شَيئاً بِلا ضَجيج. فَالخُسرُ هُنا مَوضِعٌ يَأتي إِليهِ الإنسانُ بِالحياةِ نَفسِها، لا حَدَثٌ يُمكِنُ أَن يَتَجَنَّبَه بِالحَذَر.

وَلِذَلكَ كانَ الحُكمُ عاماً، فلا يَحتاجُ الإنسانُ أَن يَفعَلَ شَيئاً لِيَدخُلَ في الخُسر، وهو فيهِ بِمُجرَّدِ كَونِه إنساناً يَعيشُ في زَمَن. وَالعَصرُ يَعصِرُ كُلَّ مَن يَحضُر، ولا يَستَثني أَحَداً مِن مُجَرَّدِ الكَينونَة، وَلِذَلكَ كانَ الجَوابُ في الآيةِ التَّاليَةِ خُروجاً مِن طبيعَةِ الجَريانِ نَفسِها، لا مِن صِفَةٍ ثانَوَيّة.

صَدى الحُكمِ في البَقَرَة

وَالبَقَرَةُ تَتَلَقَّى هذا الحُكمَ ثُمَّ تُفَصِّلُه، فتَأتي بِالخاسِرينَ في صورةِ مَن نَقَضَ عَهدَه: أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وتُحَدِّدُ الفِئةَ التي ثَبَتَ عَلَيها الوَصفُ بَعدَ أَن أُتيحَ لَها الخُروجُ مِنه فَلَم تَخرُج، ولا تُسَمّي الإنسانَ كُلَّه خاسِراً. والفاتحةُ كانَت تَطلُبُ صِراطَ المُنعَمِ عَلَيهِم، وَالعَصرُ يُسَمّي ما يَقَعُ فيه مَن لَم يَسلُكه، وَالبَقَرَةُ تُبَيِّنُ كَيفَ يَنعَقِدُ الخُسرُ عَلى مَن نَقَضَ بَعدَ ما رأى.

وَفي مُقابِلِ ذَلكَ، حينَ تُريدُ البَقَرَةُ أَن تَصِفَ المُؤمِنينَ المُتَّقينَ تَضَعُ الرَّجاءَ في مَوضِعِ الخُسر، زِيادَةً على نَفيِ الخَوفِ عَنهُم: أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ في مَوضِع، فتُقابِلُ الخُسرَ بِالرَّجاء. وكَأنَّ السورتَين تَتَكَلَّمانِ بِكَلِمَةٍ واحِدَة، إحداهُما تُعلِنُ القاعِدَة، وَالأُخرى تُسَمّي مَن خَرَجَ مِنها.

فالحُكمُ، إذَن، وَصفٌ لِلمَوضِعِ الافتِراضيِّ لِلإِنسانِ في الزَّمَن، وليسَ تَشاؤُماً. وَالسورةُ لَم تُكمِل بَعد، فالاستِثناءُ آتٍ في الآيةِ التَّالية، وَفيهِ بابُ النَّجاة، غَيرَ أنَّ النَّجاةَ لا تَنفَتِحُ إلّا لِمَن سَمِعَ القاعِدَةَ أَوَّلاً.


حَصيلة

هذه هي الشَّهادَةُ التي اسْتُدعِيَ لَها الزَّمَنُ شاهِداً، وَقَدِ اجتَمَعَت في الجُملَةِ ثَلاثُ أَدَواتِ تَوكيدٍ مَعاً: «إنَّ»، وَ«اللام» في «لَفي»، وَالاستِغراقُ في «الإنسان»، فهي ثَلاثَةُ أَقفالٍ على بابٍ واحِد. والحُكمُ صادِر، وَلا مَخرَجَ مِنهُ إلّا بِما سَيُستَثنى في الآيَةِ التالِيَة.

و«الإنسان» بِأَلِ الجِنسِ هو الإنسانُ بِلا قَيد، وَجِذرُ (أ-ن-س) نَفسُه يَكشِفُ شَيئاً: الإنسانُ هو الذي يَأنَسُ بِما حَولَه فَيَنسى، ويَتَحَرَّكُ فَيَنشَغِل، وَفي هذه الطَّبيعَةِ قِوامُه، وَفيها أَيضاً مَدخَلُ الخُسرِ إلَيه، فالكائِنُ الذي يَأنَسُ يَنسى ما هو فيه. وَجِذرُ (خ-س-ر) يَدورُ على نُقصانٍ يَسري وَيَمتَدّ، وهو نُزولٌ هادِئٌ مُستَمِرٌّ في الرَّصيد، وليسَ نُقصاناً مُفاجِئاً.

وَ«في» ظَرفٌ يُحيط، فـ«في خُسر» تُخبِرُ أنَّ الإنسانَ داخِلَ الخُسرِ مُحاطٌ بِه كَالسَّمَكَةِ في الماء، ولا تُخبِرُ أنَّه يَخسَرُ شَيئاً، والحُكمُ فيه على المَوضِع، لا على لَحظَة. وَشِدَّةُ الحُكمِ عَلى قَدرِ شِدَّةِ الشاهِد، فالزَّمَنُ الضّاغِطُ يَعصِرُ كُلَّ مَن يَحضُرُ فَيَخرُجُ ما فيه، وَالإنسانُ في خُسرٍ بِمُجَرَّدِ كَونِه إنساناً يَعيشُ في زَمَن، وَلِذَلكَ جاءَ الحُكمُ شامِلاً لا خاصّاً، وَجاءَ الاستِثناءُ في الآيَةِ التَّالِيَةِ خُروجاً مِن طَبيعَةِ الجَريانِ نَفسِها.