الماعون · الآية 2

﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ

«يَدُعُّ»: حركةٌ فَظَّةٌ من اليَدِ، لا غَفلةٌ من القَلب

وأصلُ د-ع-ع في اللسانِ العربيِّ الدَّفعُ بشِدَّةٍ وعُنف، لا الإهمالُ السَّلبيّ، تَقولُ العربُ: «دَعَّه» إذا دَفَعَه دَفعَةً قاسيةً تُلقيه إلى الأرض، ووَزنُ التَّضعيفِ في «دَعَّ» (المُضاعَفُ العَين) يَزيدُ الفِعلَ شِدَّةً وتَكراراً، فهو اعتداءٌ لا يَقِفُ عند التَّرك.

وفي اختيارِ هذا الجَذرِ بالذاتِ بَلاغةٌ دَقيقة، فلو جاءَ «يَهمَلُ اليَتيمَ» لكانَ نَقيصَةً تُحسَب، ولو جاءَ «لا يُحسِنُ إليه» لكانَ كَسَلاً، والسورةُ تَختارُ كَلِمةً تَرسُمُ صورةَ يَدٍ تَمتَدُّ فتَدُكّ، وكأنَّها تُريدُ أن تُذَكِّرَ القارئَ بأنَّ مَن يُكَذِّبُ بيَومِ الحِسابِ يَنزِلُ إلى الإيذاءِ نَفسِه، ولا يَكتَفي بالامتِناعِ عن الإحسان، لأنّ مَن لا يَخافُ الجَزاءَ لا يَجِدُ سَبَباً يَحبِسُ يَدَه.

«اليَتيم»: مَن خُتِمَت صِلَتُه الحاميَة

وفي ي-ت-م، بِبُنيتِه الحَرفيّة، امتِدادُ فَردٍ تامٍّ بَعدَ خَتمِ ما كانَ يَحميه، وفي كَلامِ العَرَب: «دُرَّةٌ يَتيمة» للجَوهرَةِ التي تَفَرَّدَت بنَفسِها لا قَرينَ لها. واليَتيمُ في القرآنِ في الغالبِ مَن فَقَدَ أباه قَبلَ بُلوغِه، حين تَكونُ يَدُ الأبِ هي الحامي الأوّل، فاليُتمُ عُريٌ مَخصوص، وعَطَبٌ في طَبَقةِ الحماية.

والسورةُ تَختارُ هذا الكائنَ بالذاتِ لتَكتَمِلَ صورةُ المُكَذِّب، لأنّ مَن يَدُعُّ اليَتيمَ يَدُعُّ مَن لا يَستَطيعُ الدَّفعَ عن نَفسِه، ومَن يَختارُ الضَّعيفَ مَوضِعاً ليَدِه الفَظَّةِ يُعلِنُ في حَقيقتِه أنّه لا يُؤمِنُ بأنّ هُناك مَن يَرى ويَحسِب، ولو آمَنَ بيَومِ الحِسابِ لانكَفَّت يَدُه بسَبَبِ المَخافة، لا بسَبَبِ المُروءَة. واليَتيمُ هنا الامتِحان: فمَن كَفَّ يَدَه عَنه وهو يَعلَمُ أنّه لا يَملِكُ أن يَرُدَّ فهو مُؤمِن، ومَن مَدَّها لِيَدُعَّه فهو مُكَذِّبٌ بالدِّينِ وإن صَلّى.


حَصيلة

الفاءُ في «فَذلكَ» تَربِطُ التَّكذيبَ بالدِّينِ بالسُّلوكِ الآتي، فقد كانَ التَّكذيبُ مُجَسَّداً، ولم يَكُن عَقلِيّاً: «يَدُعُّ اليَتيمَ» (د-ع-ع). والدَّعُّ في الجِذرِ حَركةٌ فَظَّةٌ بالجِسم، لا غَفلَةٌ مِن القَلب، وهو دَفعٌ فيه إكراهٌ وازدِراء، و«اليَتيمُ» (ي-ت-م) مَن خُتِمَت وُحدَتُه وانقَطَعَت صِلَتُه الحامِية، فأن يُدَعَّ اليَتيمُ مَعناه أن يَتَلَقَّى المُنقَطِعُ عن حِمايَةٍ دَفعةً تَزيدُه انقِطاعاً. و«فَذلك» اسمُ إشارَةٍ بَعيدة، والمُكَذِّبُ بالدِّينِ مَن يَراه الكِتابُ بَعيداً وإن كانَ قَريباً، وسُلوكُه مَرئيٌّ، والمَسافَةُ الأَخلاقيَّةُ ظاهِرة.