الماعون · الآية 1

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ

«أَرَأَيتَ»: السُّؤالُ الذي يَقلبُ المُشاهِدَ مُتَّهَماً

وصيغةُ «أَرَأَيتَ» في القرآنِ دَعوةٌ إلى التَّأمُّل، واستِحضارٌ لِلحالِ بالعَينِ الباطِنة، وليست استفهاماً عن مَنظرٍ مَرئيّ. ومادّةُ ر-أ-ي تَجمَعُ النَّظَرَ الحِسّيَّ والإدراكَ القَلبيَّ في فِعلٍ واحد، ولذلك تَرِدُ في الكتابِ كثيراً مَوصولةً بما لا يُرى بالبَصَر: أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، والرؤيةُ هنا تَأمُّلٌ في صَنعَة، لا مُشاهَدَةٌ لجِسم.

وللسُّؤالِ هنا طاقةٌ خاصّة، فحين يُسأَلُ القارئُ «أَرَأَيتَ» يَتَوقَّفُ ويَنظُر، والنَّظَرُ في رَجُلٍ آخَرَ يَصيرُ في لَحظةٍ نَظَراً في النَّفس، لأنّ السورةَ سَوفَ تُسَمّي الفِعلَ دونَ الفاعل. فمَن دَعَّ يَتيماً مَرّةً، أو لم يَحُضَّ على طَعامِ مِسكينٍ مَرّةً، أو غابَ قَلبُه عن صَلاتِه مَرّةً: هل سَأَلَ نَفسَه إن كانَ مِمَّن يُكَذِّبُ بالدِّين؟

«يُكَذِّبُ بالدِّين»: التَّكذيبُ سُلوكٌ لا قَول

والكَذِبُ في ك-ذ-ب، في اللسانِ العربيِّ، إمساكُ الحقيقةِ بضَغطٍ يُشَوِّهُها ثمّ إخراجُها مُحَرَّفَةً إلى السامِع، ولا يَقِفُ عند قَولِ ما يُخالِفُ الواقع. والصيغةُ هنا «يُكَذِّب» على وزنِ التَّفعيل، وهو وزنُ المُمارَسةِ المُتَكَرِّرة، فالمُرادُ دَأبٌ على تَشويهِ ما يَعرِفُه عقلُه، لا كَذِبَةٌ واحدة.

والذي يُكَذِّبُ بالدِّين، في صيغةِ هذا الفِعل، ليس بالضرورةِ مَن يُعلِنُ إنكاراً، فقد يُصَلّي، وقد يَنطِقُ بالشَّهادة، وقد يَحسَبُ نَفسَه مُؤمِناً، وسُلوكُه مع ذلك يُكَذِّبُ ما يَنطِقُ به لِسانُه. والدِّينُ يَومُ حِسابٍ مُمتَدٌّ في الزَّمَنِ كلِّه، فما يُفعَلُ اليَومَ يُجزى به غَداً، ومَن لم يَعِشْ بهذه القَناعةِ فقد كَذَّبَ بالدِّينِ بالفِعل، وإن لم يُكَذِّبْ بالكَلِمَة.

وهذا هو الفَرقُ الجَوهريُّ الذي تَنفَتِحُ به السورة، فالإيمانُ والكُفرُ حالانِ سُلوكيّان، وليسا تَصريحَينِ لُغَويَّين، والدِّينُ في جَذرِه إلزامٌ يُورَثُ بالعَمَل، لا اسمٌ يُكتَبُ في وَثيقة، والكلمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُويَّة.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السورةُ بسُؤالٍ يَقلِبُ وَجهَةَ النَّظَر، فـ«أَرَأَيتَ» (ر-أ-ي) استِحضارٌ يَطلُبُ من القَلبِ أن يَتَأَمَّل، وليست رُؤيةَ عَين، والمُستَحضَرُ «الذي يُكَذِّبُ بالدِّين» (ك-ذ-ب). والتَّكذيبُ في الجِذرِ سُلوكٌ يُلغي صِدقَ المُكَذَّبِ به، ولا يَقِفُ عند قَولٍ بِلِسان، و«الدِّين» (د-ي-ن) يَومُ الحِساب، المَوضِعُ الذي تَستَقِرُّ فيه الدُّيونُ كلُّها. والذي يُكَذِّبُ به يَعيشُ كأنَّه غَيرُ قادِم، زيادةً على إنكارِه بِلِسانِه، فسُلوكُه يُكَذِّبُ قَولَه، وغَفلَتُه عن الحِسابِ تَظهَرُ في تَعامُلِه مع مَن حَولَه. ولم تُسَمِّ الآيَةُ اسماً، فالسُّؤالُ مُوَجَّهٌ إلى كلِّ قارئ، والمُتَأَمَّلُ في كلِّ زَمَن.