الماعون · الآية 3

﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ

«لا يَحُضّ»: غيابُ الحَثِّ، لا غيابُ الفِعل

والحَضُّ في اللسانِ العربيِّ تَحريضٌ بالكَلام، ودَفعٌ بالقَولِ نَحوَ الفِعل، فحينَ يُقالُ «حَضَّ الناسَ على البِرّ» فالمَعنى أنّه نَطَقَ ودَعا، لا أنّه فَعَلَ بنَفسِه. والآيةُ هنا تَنزِلُ بالمِعيارِ إلى أَدنى دَرَجَةٍ يُمكِنُ تَصَوُّرُها، فالمَطلوبُ منه أن يَقولَ كَلِمَةً يُذَكِّرُ بها غَيرَه فحَسبُ، دونَ الإطعام.

وفي هذا التَّخفيضِ بَلاغةٌ كاشفة، فلو شَكا قائلٌ: «أنا فَقيرٌ لا أَملِكُ ما أُطعِمُه به»، لأَجابَته الآية: ولكنّكَ تَملِكُ كَلِمَة، فإذا لم تَنطِقها فعَلامَ كانَ صَمتُك؟ والسُّكوتُ هنا مُتَّهَم، ولا تَكلِفَةَ في الحَضّ، ولا مالَ يُنفَق، ولا جُهدَ يُبذَل، ومع ذلك يَختارُ المُكَذِّبُ الصَّمتَ لأنَّه لا يَرى السُّؤالَ يُلِحُّ عليه.

والمَعنى المُضمَرُ أنَّ مَن لم تَدفَعْه إلى الحَضِّ مُجَرَّدُ مَعرِفَتِه بأنّ هُناك مِسكيناً جائعاً فهو لا يَرى المِسكينَ بَعدُ، وعَينُ قَلبِه مَطموسَة، والدِّينُ، في إحدى صُوَرِه، فَتحُ هذه العَين.

«طَعامِ المِسكين»: الجَوفُ الذي يَطلُبُ، والسُّكونُ الذي فُرِض

وبُنيَةُ ط-ع-م تَدُلُّ على ما يُحيطُ بالجَوفِ ويَتَجَمَّعُ فيه، أي غذاءٌ يَملأُ الباطِنَ ويَلتَصِقُ به، والطَّعامُ في القرآنِ ما يُحيي الكِيانَ من الدّاخِل، زيادةً على أنَّه سُعراتٌ تَدخُلُ المَعِدة، وإطعامُ المِسكينِ في الكتابِ من أَعظَمِ القُرَب، لأنّه إعادَةُ إحياءِ كائنٍ عَطَّلَه العَوَز.

والمِسكينُ من س-ك-ن، وهو امتِدادٌ يُمسَكُ ويَستَقِرُّ في الباطِن، والسَّكَنُ الإيجابيُّ هَدوءٌ بَعدَ حَركةٍ واطمِئنانٌ بَعدَ سَعي، غَيرَ أنَّ المِسكينَ في صيغةِ مِفعيل انعَكَسَ مَعناه، فالسَّكَنُ فيه مَفروض، وقد حُبِسَ الكائنُ في حالٍ لا يَستَطيعُ الخُروجَ منها، فهو ساكِنٌ عَجزاً لا اختياراً. ومَن لا يَحُضُّ على طَعامِ المِسكينِ يَترُكُه في سُكونِه المَفروض، ولا يَنطِقُ بكَلِمَةٍ تُحَرِّكُ يَدَ غَيرِه إليه.


حَصيلة

تَنزِلُ الآيةُ دَرَجةً أُخرى في الكَشف، فالمُكَذِّبُ لم يَكتَفِ بِدَفعِ اليَتيم، وزادَ عَلَيه أنَّه «لا يَحُضُّ على طَعامِ المِسكين» (ح-ض-ض). و«الحَضُّ» في الجِذرِ تَشجيعٌ يَدفَعُ الآخَرَ نَحوَ فِعل، والآيةُ تَشتَرِطُ الحَضَّ على الإطعام، أي الاهتِمامَ بأن يَحدُث، ولا تَشتَرِطُ الإطعامَ المُباشِر، فالنَّفيُ إذَن واقِعٌ على أَدنى الاهتِمام: لا يُطعِم، ولا يُشَجِّع، ولا يَهتَمّ. و«المِسكينُ» (س-ك-ن) مَن أُسكِنَت حَركَتُه بالحاجَة، ومَن أَمسَكَه الضِّيقُ في مَوضِعِه، و«طَعامِ المِسكين» يَعني الطَّعامَ الذي يَحتاجُه، لا طَعاماً مَملوكاً للمِسكين، والدِّينُ الذي يُكَذَّبُ به جَوابٌ على هذه الحاجَة.