الكافرون · الآية 1

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ

«قُل»: الأَمرُ يَسبقُ الكَلِمَة، والكَلِمَةُ تَنتَسِبُ إلى مُرسلِها

والفِعلُ الأَوَّلُ في السورةِ «قُل»، وأوثِرَ على «أَعبُدُ» و«أَقولُ»، وهو فِعلُ أَمرٍ يَستَقبِلُه المُخاطَبُ مِن رَبِّه، وهذا التَّرتيبُ يُغَيِّرُ كلَّ ما يَلي، فلَو كانَ «قال» لَكانَ خَبَراً عن مَوقِفٍ شَخصيّ، ولَو كانَ «أَقولُ» لَكانَ تَصريحاً ذاتيّاً، و«قُل» تَكليفٌ بنُطقِ ما أُمِليَ.

ومَعنى ذلك أنَّ الفَصلَ الذي تَنطِقُ به السورةُ فَصلٌ نَزَل، لا فَصلٌ يَرسُمُه المُخاطَبُ بحَسَبِ ما رَأى، والقارئُ الذي يَتَلَقّى السورةَ بَعدَه يَرِثُ المَوقِفَ نَفسَه، فلَيسَ حُرّاً في نَفيِها أو إلانَتِها، لأنّها لَيسَت مُجامَلَةً يُمكِنُ تَخفيفُها، وهي صياغةٌ ثابتة. والسورةُ كلُّها تَستَنِدُ إلى هذا الحَرفِ الأَوَّل: قُل﴾، ومَن نَزَعَه نَزَعَ السورةَ من سَنَدِها.

ويَفتَتِحُ هذا الفِعلُ بِصيغَتِه نَفسِها في القرآنِ سُوَراً أُخرى يَتلوها: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فهي أَربَعُ سُوَرٍ في أَواخِرِ الكِتابِ تُفتَتَحُ بالأَمرِ نَفسِه: «قُل»، وكأنَّ الكتابَ في خِتامِه يَجمَعُ المُخاطَبَ والقارئَ مَعَه على صياغاتٍ مُحَدَّدَةٍ لا تَحتَمِلُ التَّأويلَ الذاتيّ: هذا ما يُقال، بهذه الكَلِمات، دونَ غَيرِها.

«يا أيُّها»: نِداءٌ يُحَضِّرُ السامعَ قَبلَ أن يُكَلَّم

و«يا» حَرفُ نِداء، و«أيُّ» اسمٌ مُبهَمٌ يَفتَقِرُ إلى ما يُعَرِّفُه، و«ها» للتَّنبيه، فهي ثَلاثُ أَدَواتٍ مُتَراصَّةٍ مَهَمَّتُها واحدة، وهي شَدُّ انتباهِ المُخاطَبِ كاملاً قَبلَ أن يُلقى عَلَيه الكَلام.

وهذا التَّرتيبُ في النَّحوِ لا يُستَخدَمُ مَعَ القَريبِ المَعروف، فلا يُقالُ في العائلةِ «يا أيُّها الأَب»، وتُحفَظُ هذه الصيغةُ للمَواقفِ التي يَنبَغي فيها أن يُؤَكَّدَ المَوقِفُ قَبلَ أن يُنطَقَ به، ولذلك يَستَخدِمُها القرآنُ في خِطابِ المُؤمِنين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي خِطابِ النَّاسِ كُلِّهم يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فحَيثُما طُلِبَ الإصغاءُ الجادُّ استُحضِرَت الصيغة.

فالسورةُ تَستَدعي المُخاطَبينَ ولا تَهجُمُ عَلَيهِم، وتَطلُبُ أن يَكونوا حاضِرين بكُلِّيَّتِهم، وما سَيُقالُ بَعدَها لا يُمكِنُ أن يُسمَعَ بأُذُنٍ نِصفِ مَفتوحَة، والسورةُ تَرسُمُ خَطّاً، والخَطُّ لا يُرسَمُ إلّا حين يَكونُ الطَّرَفانِ في وَعيٍ تامّ.

«الكافِرون»: تَسميَةُ الحالِ، لا الشَّخص

وأصلُ ك-ف-ر الحِسّيُّ التَّغطيَة، فالفَلّاحُ كافِرٌ لأنّه يَستُرُ البَذرَةَ بالتُّراب، واللَّيلُ كافِرٌ لأنّه يُغَطّي النَّهار. والكافِرُ في الاستِعمالِ القرآنيِّ مَن يُغَطّي ما عَرَف، أي يَستُرُ فِعلُه ما هو مَعروفٌ في الفِطرَة، ولذلك يَكونُ الكافِرُ في هذا اللسانِ مَن وَصَلَه ما يَستَدعي الإقرارَ فاختارَ التَّغطيَة، ولا يَكونُ كافِراً مَن لم يَبلُغهُ شَيء.

والاسمُ في الآيةِ مُعَرَّفٌ بأل: «الكافِرون»، لا «كافِرون»، والتَّعريفُ يَخُصُّ مَن انعَقَدَ عَلَيهمُ الوَصفُ في زَمَنِ التَّنزيل، وهُم قَومٌ بَلَغَهُمُ القُرآنُ وعَرَفوا ما عَرَفوا ثُمّ أَصَرّوا على التَّغطيَة، غَيرَ أنَّ الوَصفَ يَبقى مَفتوحاً لِكُلِّ مَن وَقَعَ في الحالِ بَعدَهم، والآيةُ تَصِفُ مَوضِعاً، ولا تَلعَنُ شَخصاً.

ويَتَّضِحُ هذا في القرآنِ أَوَّلَ ما يَتَّضِحُ في البَقَرَة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، فالكُفرُ هُناك تَغطيَةٌ مُستَقِرَّةٌ على عِلم، وليس جَهلاً يَنفَعُ مَعَه الإنذار. والسورةُ هنا تُخاطِبُ هذا المَوضِعَ بِعَينِه: المَوضِعَ الذي لا يَنفَعُ مَعَه إخبارٌ آخَر، فلا يَبقى إلّا أن يُرسَمَ الخَطّ.

السورةُ كَفاتِحَةِ تَوحيد: 109 قَبلَ 112

والسورةُ في تَرتيبِ المُصحَفِ التاسِعَةُ بَعدَ المئة، وتَتلوها سورةُ النَّصر، ثمّ المَسَد، ثمّ الإخلاص، وهي أَربَعُ سُوَرٍ مُتَتابِعَةٌ مَوضوعُها واحد، هو تَحريرُ التَّوحيدِ مِمّا يَخلِطُه: فالكافِرونَ تَرسُمُ الفَصل، والنَّصرُ يُعلِنُ أَوَّلَ ثِمارِ الفَصل، والمَسَدُ يَكشِفُ مَن أَبى الفَصل، والإخلاصُ يَنطِقُ بالتَّوحيدِ المُحَرَّرِ من كُلِّ خَلط.

فلا يُمكِنُ أن يَنطِقَ الإنسانُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وفي قَلبِه نِيَّةُ تَوسيطٍ بَينَه وبَينَ ما لا يُحاطُ به، ولا بُدَّ أَوَّلاً من فَصلٍ يُنَظِّفُ المَوضِع، ثمّ يَأتي القَولُ بالأَحَدِيَّة، والسورةُ هنا هي ذلك الفَصل، ومَن لم يَقرَأها لم يَنتَهِ بَعدُ من تَنظيفِ مَوضِعِ التَّوحيد، وهذا سِرُّ تَرتيبِها قَبلَ الإخلاص.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السورةُ بِأَمرٍ يَسبِقُ الكَلام: «قُل»، وهو إعلانٌ مُؤتَمَرٌ به من فَوق، لا رَأيٌ يُعرَض، فالمُعلِنُ يَنطِقُ ما أُمِرَ به ولا يَبتَكِرُ ما يَقول. ثمّ النِّداء: «يا أيُّها»، وهو تَحضيرٌ يَستَنهِضُ السَّمعَ قَبلَ أن يُكَلَّم. و«الكافِرون» (ك-ف-ر) تَسميَةُ حالٍ لا شَخص، والكُفرُ تَغطيَةٌ تَحجُبُ ما تَحتَها، والمُخاطَبُ كلُّ مَن كانَ في هذه الحال، وليسَ فُلاناً بِعَينِه. والسورةُ بَدَأَت بخِطابٍ مُباشِرٍ صَريح، ولم تَبدَأ بِهُجوم، ومَن يُكَفِّرُ الآخَرَ يَكونُ في العادةِ مِمَّن يَخشاه ويَتَجنَّبُه، أمّا الخِطابُ المُباشِرُ فَيَحمِلُ احتِراماً من نَوعٍ آخَر، مَعناه: أَراكَ، وأُخاطِبُك.