طه · الآية 65
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«قَالُوا يَا مُوسَىٰ»: نِداءٌ يَسبِقُ العَرض
يُفتَحُ الكَلامُ بِالنِّداءِ بِالاسم. وكانَ القَولُ قَبلَ آيَتَينِ إشارةً بِـ«هَٰذَانِ» بِلا اسم. الآنَ يُواجَهُ المَقصودُ ويُسَمّى.
وفَرقٌ بَينَ مَن يُتَكَلَّمُ عَنه ومَن يُتَكَلَّمُ إلَيه. الأوَّلُ يُوصَفُ بِما شاءَ الواصِف، والثّاني يُعرَضُ عَلَيه أمرٌ فيَقَعُ الجَوابُ بِيَدِه.
«إِمَّا… وَإِمَّا»: تَخييرٌ بَينَ طَرَفَينِ من فِعلٍ واحِد
أداتانِ مُتَقابِلَتان، وبَينَهُما واو. عُرِضَ عَرضانِ لا عَرضٌ واحِد، وأُوكِلَ إلَيهِ أن يَأخُذَ أيَّهُما شاء.
لكِنَّ الفِعلَ في الطَّرَفَينِ واحِد: «تُلْقِيَ» و«أَلْقَىٰ». لَم يُعرَضْ عَلَيهِ أن يُلقِيَ أو لا يُلقِيَ، ولا أن يُلقِيَ أو يَنصَرِف. الإلقاءُ واقِعٌ في الحالَينِ، وإنَّما التَّخييرُ في مَن يَبدَأ.
فما بَدا اختِياراً هو اختِيارٌ في التَّرتيبِ وَحدَه. وقد سُلِّمَ لَه بِأن يَملِكَ التَّرتيب، ولم يُسَلَّمْ لَه بِأكثَرَ مِنه.
«أَن تُلْقِيَ»: فِعلٌ بِلا مَفعول
لَم يُقَلْ ماذا يُلقي. الفِعلُ عارٍ من مَفعولِه في الطَّرَفَين: «أَن تُلْقِيَ»، «أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ». ولا في الآيةِ اسمٌ لِشَيءٍ يُطرَح.
والجِذرُ ل-ق-ي تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ في العُمقِ ثُمَّ يَمتَدُّ إلى غَيرِه، فاللِّقاءُ وُقوعُ الشَّيءِ على الشَّيء. و«ألقى» على أفعَلَ: أن يُوقِعَ المُلقي شَيئاً على الأرضِ فيُخَلِّيَ بَينَه وبَينَها.
وفي المادَّةِ تَخَلٍّ: مَن ألقى فقد فارَقَ ما ألقاه وتَرَكَه لِما يَقَعُ عَلَيه. وهذا حَرفٌ يَنبَغي حِفظُه، فإنَّ فِعلَ هذا المَشهَدِ كُلَّه سيَجري على هذا الجِذرِ حتّى يَنقَلِبَ على أصحابِه.
«أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ»: طَلَبُ المَوضِعِ الأوَّل
لم يَقولوا «وإمّا أن نُلقِيَ». قالوا «وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ». أُدخِلَ «كانَ» وأُخبِرَ عَنهُم بِمَنزِلةٍ لا بِفِعل.
فالمَطلوبُ في الطَّرَفِ الثّاني لَيسَ الإلقاء، بَل رُتبةُ الأوَّلِيّةِ فيه. والجِذرُ أ-و-ل رُجوعٌ إلى المَبدَإِ الذي يَصدُرُ عنه ما بَعدَه، ومنه «الأوَّل» ما لا شَيءَ قَبلَه في مَرتَبَتِه.
ومَن طَلَبَ أن يَكونَ الأوَّلَ فقد طَلَبَ أن يُقاسَ غَيرُه إلَيه. تُلقى الأشياءُ كُلُّها بَعدَ إلقائِه فتُقاسُ بِه.
عُرِضَ التَّخييرُ ولم يَكُنْ فيه إلّا وَجهٌ واحِدٌ يُشتَهى.
حَصيلة
يُفتَحُ القَولُ بِالنِّداءِ بِالاسمِ بَعدَ أن كانَ إشارةً بِـ«هَٰذَانِ»: انتَقَلَ المَقصودُ من مَوقِعِ المُتَحَدَّثِ عنه إلى مَوقِعِ المُخاطَب. ثُمَّ «إِمَّا… وَإِمَّا» تَعرِضانِ طَرَفَين، والفِعلُ فيهِما واحِدٌ: الإلقاءُ واقِعٌ في الحالَين، والمَعروضُ عَلَيهِ التَّرتيبُ لا الوُقوع. والفِعلُ عارٍ من مَفعولِه في المَوضِعَين، فلا يُذكَرُ ما يُطرَح. وفي ل-ق-ي تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ ثُمَّ يُوقَعُ على غَيرِه، وفي «ألقى» تَخَلٍّ: يُفارِقُ المُلقي ما ألقاه. ثُمَّ الطَّرَفُ الثّاني لا يُطلَبُ فيه فِعلٌ بَل مَنزِلة: «أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ»، وأ-و-ل مَبدَأٌ يُقاسُ إلَيهِ ما بَعدَه. عَرضٌ ذو وَجهَينِ، وَجهُه المُشتَهى واحِد.