طه · الآية 66
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«بَلْ أَلْقُوا»: خُيِّرَ فأمَر
«بَل» حَرفُ إضراب: يُترَكُ ما قَبلَه ويُثبَتُ ما بَعدَه. عُرِضَ عَلَيهِ طَرَفانِ فلَم يَأخُذْ واحِداً مِنهُما كما عُرِض.
فالطَّرَفُ الثّاني كانَ في العَرضِ رُتبةً يَطلُبونَها: «أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ». وقَد رُدَّ إلَيهِم فِعلاً يُؤمَرونَ بِه: «أَلْقُوا». نُزِعَتِ المَنزِلةُ وبَقِيَ العَمَل.
وأقصَرُ كَلامٍ في هذا المَشهَدِ كُلِّه كَلِمَتان. عُرِضَ عَلَيهِ الاختِيارُ فأجابَ بِأمر، والذي يَأمُرُ في مَوضِعِ الاختِيارِ لم يَختَرْ، بَل أَذِن.
«فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ»: مُفاجَأةٌ تُسَمّي الأشياءَ بِأسمائِها
«إذا» الفُجائِيّة: يَقَعُ ما بَعدَها بِلا مُهلةٍ ولا تَوَقُّع. ثُمَّ يُذكَرُ المَرئيُّ بِاسمِه: حِبالٌ وعِصِيّ، لا شَيءَ غَيرُهُما.
والحَبلُ من ح-ب-ل: ضَمٌّ يَحتَوي ما لَفَّ عَلَيهِ ويُمسِكُه، فَتلٌ يُشَدُّ بِه غَيرُه. والعَصا من ع-ص-و: قَبضٌ يَلتَئِمُ فيَصلُبُ ويَمتَدُّ في يَدِ القابِض. مادَّتانِ تُعرَفانِ ولا تُنكَران.
وأُضيفَتا إلَيهِم: «حِبَالُهُمْ» و«عِصِيُّهُمْ». بَقِيَتِ الأشياءُ في مِلكِ أصحابِها، ولم تُوصَفْ بِخُروجٍ عن جِنسِها.
«يُخَيَّلُ إِلَيْهِ»: الحَرفُ الذي يَحمِلُ الآيةَ كُلَّها
لم يُقَلْ إنَّ حِبالَهُم سَعَت. قيلَ إنَّه يُخَيَّلُ. والفِعلُ مَبنِيٌّ لِلمَجهولِ لا فاعِلَ لَه ظاهِرٌ، وهو مُعَدّىً بِـ«إلى»: «إِلَيْهِ»، مُفرَداً.
فالخَبَرُ لَيسَ عن الحِبالِ في نَفسِها. الخَبَرُ عمّا وَقَعَ في عَينٍ واحِدة. وُصِفَتِ الرُّؤيةُ ولم تُوصَفِ الأشياء.
والجِذرُ خ-ي-ل تَخَلخُلٌ يَمتَدُّ فيَتَعَلَّقُ بِالنّاظِرِ ويَقومُ عِندَه: صورةٌ لا جِرمَ تَحتَها. ومنه «الخَيال» ما يُرى ولا يُقبَض، و«خُيِّلَ إلَيه» قامَ عِندَه ما لَيسَ في الخارِج.
و«مِن سِحْرِهِمْ» تُبَيِّنُ مَنشَأَ ذلك: من صَنيعِهِم لا من الحِبال. فالمَصدَرُ مَذكورٌ والمُتَحَرِّكُ غَيرُ مَذكور.
«أَنَّهَا تَسْعَىٰ»: مَضمونُ المُخَيَّلِ لا مَضمونُ الواقِع
«أنَّ» ومَعمولُها هي الذي يُخَيَّل. فالسَّعيُ داخِلٌ في حَيِّزِ التَّخييلِ لا خارِجٌ عنه. لَو رُفِعَ «يُخَيَّلُ» من الآيةِ لَصارَ السَّعيُ خَبَراً مُثبَتاً، وهو ثابِتٌ فيها فلا يَصير.
وقد وَرَدَ هذا الفِعلُ بِعَينِه في هذه السّورةِ خَبَراً لا تَخييلاً: فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾. اللَّفظُ واحِدٌ والفَجأةُ واحِدة، والفَرقُ كُلُّه في كَلِمةٍ زيدَت هُنا وَحدَها.
وهُناكَ لم يُقَلْ «يُخَيَّلُ إلَيه»، فقيلَ ما هي. وهُنا قيلَ ما رَأى، ولم يُقَلْ ما هي.
حَرفٌ واحِدٌ يَفصِلُ بَينَ ما كانَ وما بَدا، والآيةُ وَضَعَته ولم تُخفِه.
حَصيلة
«بَلْ» تُضرِبُ عن العَرضِ كُلِّه، و«أَلْقُوا» تَرُدُّ إلَيهِمُ الفِعلَ بِلا المَنزِلةِ التي طَلَبوها: أُذِنَ لَهُم ولم يُختَرْ لَهُم. ثُمَّ «إذا» الفُجائِيّةُ تَأتي بِما لا يُنتَظَر، والمَذكورُ حِبالٌ وعِصِيٌّ بِأسمائِها مُضافَةً إلى أصحابِها: ح-ب-ل فَتلٌ يَحتَوي فيُمسِك، وع-ص-و قَبضٌ يَلتَئِمُ فيَصلُب. ثُمَّ يَأتي الحَرفُ الذي تَقومُ عَلَيهِ الآية: «يُخَيَّلُ» مَبنِيّاً لِلمَجهولِ مُعَدّىً بِـ«إلى» إلى واحِدٍ بِعَينِه، وخ-ي-ل صورةٌ تَقومُ عِندَ النّاظِرِ ولا جِرمَ تَحتَها. و«مِن سِحْرِهِمْ» تَذكُرُ المَنشَأ. ثُمَّ «أَنَّهَا تَسْعَىٰ» داخِلةٌ في حَيِّزِ التَّخييل. اللَّفظُ الذي قيلَ في أوَّلِ السّورةِ خَبَراً مُثبَتاً يُقالُ هُنا وقَبلَه كَلِمةٌ واحِدة، وهي كُلُّ الفَرق. الآيةُ لا تَقولُ إنَّ الحِبالَ سَعَت. تَقولُ ما وَقَعَ في العَين.