طه · الآية 8
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«اللَّهُ»: اسمٌ ثانٍ يَفتَتِحُ آيةً في مَطلَعٍ واحِد
هذا ثاني اسمٍ يُفتَتَحُ بِه آيةٌ في هذا المَطلَع. الخامِسةُ بَدَأَت بِـالرَّحْمَٰنُ﴾، والثامِنةُ تَبدَأُ بِـ«اللَّهُ». وبَينَهُما آيَتانِ لا اسمَ في صَدرِهِما: واحِدةٌ تُعطي المِلك، وواحِدةٌ تُعطي العِلم.
فالمَطلَعُ مَبنِيٌّ على اسمَينِ بَينَهُما ما يُوصَفانِ بِه. اسمٌ، ثُمَّ مِلكٌ وعِلم، ثُمَّ اسم. والّذي وَقَعَ بَينَ الطَّرَفَينِ هو الشَّرحُ الّذي اختارَتْه السّورةُ لِنَفسِها.
«لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ»: نَفيُ جِنسٍ يُستَثنى مِنه بِضَمير
«لا» هُنا نافِيةٌ لِلجِنس، لا لِفَردٍ ولا لِبَعض. تَعمَلُ في نَكِرةٍ بَعدَها فتَرفَعُ الجِنسَ كُلَّه من أصلِه. فلَم يُقَلْ «لَيسَ إلهٌ آخَرُ» ولا «لا إلهَ مَعَه»، بَل رُفِعَ الجِنسُ ثُمَّ استُثنِيَ منه.
ثُمَّ انظُرْ بِماذا استُثنِي. لَم يُقَلْ «إلّا اللهُ» وقد كانَ الاسمُ مَذكوراً في صَدرِ الآية، بَل قيلَ «إلّا هُوَ» بِضَمير. والضَّميرُ لا يَعمَلُ وَحدَه؛ يَرُدُّكَ إلى ما قَبلَه لِتَعرِفَ عَلى مَن يَعود.
فالجُملةُ تَبدَأُ بِاسمٍ، وتَرفَعُ الجِنسَ كُلَّه، ثُمَّ تَعودُ بِالضَّميرِ إلى مَبدَئِها. دائِرةٌ تُغلَقُ على نَفسِها، لا يَدخُلُها ما لَم يَكُنْ في أوَّلِها.
و«إله» من أ-ل-ه: تَعَلُّقٌ يَستَغرِقُ المُتَعَلِّقَ فلا يَسَعُ مَعَه غَيرُه. ونَفيُ الجِنسِ في جَذرٍ هذا مَعناهُ نَفيٌ لِكُلِّ تَعَلُّقٍ يَستَغرِق، ثُمَّ إبقاءٌ لِواحِد.
«لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ»: اللّامُ المُقَدَّمةُ تَعودُ
هذه اللّامُ نَفسُها قد تَقَدَّمَت قَبلَ آيَتَين: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. حَرفٌ واحِدٌ في صَدرِ الجُملَتَين، وتَقديمٌ واحِدٌ يَحصُرُ فيهِما.
والمَحصورُ يَتَبَدَّل. هُناكَ ما تَحويه الظُّروفُ الأربَعة، وهُنا الأسماء. فأوَّلُ ما نُسِبَ إلَيه في هذا المَطلَعِ كُلُّ ما في الأمكِنة، وآخِرُ ما نُسِبَ إلَيه كُلُّ ما يُدعى بِه.
و«الأسماء» جَمعٌ مُعَرَّفٌ لا عَدَدَ فيه. والاسمُ من س-م-و رايةٌ تُرفَعُ على الشَّيءِ فتَدُلُّ عَلَيه من فَوقُ ولا تُحيطُ بِه، ولِذلك تَكثُرُ الأسماءُ ولا يَتَعَدَّدُ المُسَمّى. والاسمُ والحُسنى مَفهومانِ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيهِما.
و«الْحُسْنَىٰ» أفعَلُ تَفضيلٍ في صيغةِ المُؤَنَّث، جاءَت صِفةً لِلجَمع. فالوَصفُ واقِعٌ على جُملةِ الأسماءِ لا على واحِدٍ مِنها دونَ واحِد.
جُملةٌ سَبَقَت بِحَرفِها في مَوضِعٍ آخَر
وهذه الجُملةُ بِعَينِها قد وَرَدَت في المُصحَفِ من قَبل: فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾، لا يَفصِلُ بَينَ الصّورَتَينِ إلّا فاءُ جَوابِ الشَّرطِ هُناك.
وهُناكَ أيضاً كانَت هذه الجُملةُ مُجاوِرةً لِهذا الاسمِ نَفسِه: أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ﴾. سورَتانِ تُجاوِرانِ الاسمَ نَفسَه بِالجُملةِ نَفسِها.
يُذكَرُ التَّجاوُرُ ويُوقَفُ عِندَه. ولِذلك المَوضِعِ صَفحَتُه، ولا يُعادُ شَرحُه هُنا.
حَصيلة
اسمٌ ثانٍ يَفتَتِحُ آيةً في هذا المَطلَع: بَدَأَتِ الخامِسةُ بِاسمٍ، وتَبدَأُ الثامِنةُ بِاسم، وبَينَهُما مِلكٌ وعِلمٌ لا اسمَ في صَدرِ آيَتَيهِما. ثُمَّ «لا» نافِيةٌ لِلجِنسِ تَرفَعُ الجِنسَ كُلَّه من أصلِه، و«إله» من أ-ل-ه تَعَلُّقٌ يَستَغرِقُ صاحِبَه فلا يَسَعُ مَعَه غَيرُه، فالمَرفوعُ كُلُّ تَعَلُّقٍ يَستَغرِق. ثُمَّ يَجيءُ الاستِثناءُ بِضَميرٍ لا بِاسمٍ مُعادٍ، فيَرُدُّ الضَّميرُ القارِئَ إلى صَدرِ الآيةِ ويُغلِقُ الجُملةَ على مَبدَئِها. ثُمَّ تَعودُ اللّامُ المُقَدَّمةُ الّتي تَصَدَّرَتِ الآيةَ السّادِسة، والتَّقديمُ يَحصُرُ في المَوضِعَين، وقَد كانَ المَحصورُ هُناكَ ما تَحويه الظُّروفُ الأربَعةُ وهو هُنا الأسماء. و«الأسماء» جَمعٌ مُعَرَّفٌ لا عَدَدَ فيه، والاسمُ في س-م-و رايةٌ تَدُلُّ ولا تُحيط، فتَكثُرُ الرّاياتُ والمَوضِعُ واحِد، و«الْحُسْنَىٰ» صِفةٌ واقِعةٌ على الجُملةِ لا على واحِدٍ دونَ واحِد. وهذه الجُملةُ قد سَبَقَت بِحَرفِها في مَوضِعٍ آخَرَ من المُصحَف، وجاوَرَت هُناكَ الاسمَ الّذي جاوَرَتْه هُنا. يُذكَرُ التَّجاوُرُ ولا يُزادُ عَلَيه. مَطلَعٌ افتَتَحَ بِاسمٍ ثُمَّ أعطى المِلكَ ثُمَّ العِلمَ ثُمَّ رَدَّ الأمرَ كُلَّه إلى الأسماء.