طه · الآية 9

﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ

«وَهَلْ»: بابٌ يُفتَحُ بِسُؤال

والواوُ تَصِلُ بِما قَبلَها، فقد تَمَّ هُناكَ قَولٌ في الأسماء، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾، ثُمَّ ابتُدِئَ هُنا بِسُؤال.

و«هَل» أداةُ استِفهام، غَيرَ أنَّ الكَلامَ لا يَقِفُ لِيَنتَظِرَ جَواباً، فالآيةُ التي بَعدَها تَمضي في الخَبَرِ من فَورِها: إِذْ رَأَىٰ نَارًا﴾، فالسُّؤالُ بابٌ، والحِكايةُ تَعبُرُه والبابُ ما يَزالُ مَفتوحاً.

ولِلسُّؤالِ مُخاطَبٌ مُعَيَّن، هو كافُ «أتاك»، فوُضِعَ السّامِعُ في الجُملةِ قَبلَ أن يُوضَعَ فيها المَحكِيُّ عَنه، وسُئِلَ إن كانَ الخَبَرُ قَد جاءَه، ولم يُؤمَرْ بِالسَّماع.

«أَتَاكَ»: الخَبَرُ يَمشي والسّامِعُ مُقيم

وأصلُ أ-ت-ي انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه، ففيه مَسافةٌ تُقطَعُ ونِهايةٌ تُبلَغ.

وأوثِرَ «أتاك» على نَحوِ «هَل بَلَغتَ حَديثَ موسى»، فالمُسافِرُ هو الخَبَر، والمُخاطَبُ مَوضِعُ الوُصول. وجاءَ الفِعلُ ماضِياً، فالسُّؤالُ عن مَجيءٍ يُمكِنُ أن يَكونَ قَد وَقَعَ قَبلَ السُّؤال.

وهذا الجِذرُ نَفسُه يَمشي في المَقطَعِ كُلِّه في ثَلاثِ جِهات: فهُنا يَأتي الخَبَرُ إلى المُخاطَب، وبَعدَ آيَتَينِ يَأتي الرَّجُلُ إلى النّار: فَلَمَّا أَتَاهَا﴾، ثُمَّ تَأتي السّاعةُ إلى كُلِّ أحَد: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾، فهو مَجيءٌ واحِدٌ في اللَّفظِ يَتَقَلَّبُ بَينَ خَبَرٍ ونارٍ وساعة.

«حَدِيثُ»: ما وَقَعَ ثُمَّ انتَقَل

والحَديثُ من ح-د-ث: أمرٌ يَنشَأُ بَعدَ أن لم يَكُن، ثُمَّ يُبَثُّ ويُنقَل، فاجتَمَعَ فيه الحُدوثُ والنَّقلُ في كَلِمةٍ واحِدة.

ولم يُسَمَّ قِصّةً ولا نَبَأً، وسُمِّيَ حَديثاً، والاسمُ يَحمِلُ الشَّيئَينِ اللَّذَينِ يَعني بِهِما هذا المَوضِع: واقِعةً كانَت، وكَلاماً عنها يَبلُغُ أُذُناً الآنَ جَديداً، فمَن سَمِعَه فقَد وَقَعَ عَلَيه مَرَّتَين: مَرَّةً حينَ حَدَث، ومَرَّةً حينَ حُدِّثَ بِه.

والافتِتاحُ نَفسُه يَقومُ في المُصحَفِ على غَيرِ هذا المَحكِيّ: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وهو سُؤالٌ واحِدٌ وفِعلٌ واحِدٌ واسمٌ واحِد، وما يُضافُ إلَيهِ الحَديثُ هُناكَ أمرٌ يَغشى، وهو هُنا رَجُلٌ يُسَمّى.

«مُوسَىٰ»: اسمٌ يُعطى ولا يُشفَعُ بِشَيء

ويُنَصُّ على الاسمِ ولا يُزادُ عَلَيه، فلا أبٌ ولا قَومٌ ولا زَمانٌ ولا مَكان، وتَنتَهي الآيةُ عِندَ الاسمِ وتَسكُت.

ومَعرِفةُ صاحِبِ الاسمِ مَوقوفةٌ على الآيةِ التّالِيَة، وهي تَبدَأُ عِندَ نار، فالتَّعريفُ الذي اختارَته السّورةُ لِصاحِبِ الحَديثِ مَشهَدٌ لا نَسَب: رَجُلٌ رَأى ناراً فمالَ إلَيها.


حَصيلة

واوٌ تَصِلُ، ثُمَّ استِفهامٌ لا يُنتَظَرُ جَوابُه، ثُمَّ خَبَرٌ يَمضي من فَورِه. و«أتاك» من أ-ت-ي، وهو انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه، فجُعِلَ الخَبَرُ هو المُسافِرَ والسّامِعُ هو المَوضِع، وهذا المَجيءُ نَفسُه يَتَكَرَّرُ في المَقطَعِ رَجُلاً يَأتي ناراً وساعةً تَأتي الخَلق. و«حَديث» من ح-د-ث، أمرٌ يَنشَأُ ثُمَّ يُبَثّ، فاسمُه يَجمَعُ الواقِعةَ ونَقلَها، ولِذلك وَقَعَ على السّامِعِ مَرَّتَين. ثُمَّ يُذكَرُ الاسمُ ولا يُذكَرُ مَعَه شَيءٌ آخَر. وقد سُئِلَ السّامِعُ عن وُصولِ الخَبَر، ولم يُنتَظَرِ الجَواب، لِأنَّ الخَبَرَ كانَ قَد بَدَأَ يَصِل.