طه · الآية 7

﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى

«وَإِن»: شَرطٌ يُوضَعُ احتِمالاً لا خَبَراً

جاءَ الشَّرطُ هُنا بِـ«إن» دونَ «إذا»، و«إذا» تُوضَعُ لِما هو واقِعٌ أو مُتَوَقَّعٌ وُقوعُه، و«إن» تُوضَعُ لِما يَحتَمِلُ أن يَقَعَ وأن لا يَقَع.

فالجَهرُ لَم يُنسَبْ إلى المُخاطَبِ خَبَراً، ولَم يُنهَ عنه، ولَم يُؤمَرْ بِه، وإنَّما وُضِعَ فَرضاً: إن كان. والحُكمُ الّذي يَليه يَصدُقُ عَلى الفَرضِ وعَلى نَقيضِه مَعاً، وهذا مَوضِعُ الفائِدة.

«تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ»: إخراجٌ لا يُبقي في الجَوفِ شَيئاً

والجَهرُ من ج-ه-ر: ما اجتَمَعَ في الجَوفِ فأُفرِغَ بِالنَّفَسِ وجَرى بِغَيرِ ساتِر، ومنه «جَهَرَ بِالقَولِ» إذا أعلَنَه، فهو إخراجٌ كامِلٌ إلى أقصى ما يُمكِن، ولا يَقِفُ الجَذرُ عِندَ ارتِفاعِ الصَّوت.

والباءُ تُعَدّي الفِعلَ إلى ما يُعلَنُ بِه، و«القَولُ» مَعرِفةٌ بِـ«ال»، فالمُرادُ الجِنسُ كُلُّه، لا قَولٌ من الأقوال. والقَولُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه.

فالفَرضُ المَوضوعُ هو أقصى الإعلان، أي أن يَخرُجَ الكَلامُ كُلُّه ولا يَبقى في الباطِنِ منه شَيء، فوُضِعَ الطَّرَفُ الأعلى، ثُمَّ جيءَ بِالجَواب.

جَوابٌ لا يُقابِلُ الشَّرطَ بِمِثلِه

ولَو كانَ الجَوابُ على قِياسِ الشَّرطِ لَقيلَ «فإنَّه يَسمَعُك»، فالشَّرطُ في الصَّوت، والمُنتَظَرُ جَوابٌ في السَّمع، وقد جاءَ الجَوابُ في العِلم.

ولَو كانَ على قِياسِه لَقيلَ «فإنَّه يَعلَمُ ما جَهَرتَ بِه»، فالشَّرطُ في المُعلَن، والمُنتَظَرُ جَوابٌ في المُعلَن، وقد جاءَ الجَوابُ في السِّرّ.

فالجَوابُ يُغادِرُ مَوضِعَ الشَّرطِ إلى ما تَحتَه، فقد وُضِعَ أعلى الدَّرَجةِ في المُقَدِّمة، فأُجيبَ بِأسفَلِها ثُمَّ بِما دونَ أسفَلِها، ومَن أُخبِرَ أنَّ ما تَحتَ الأرضِ مَعلومٌ لم يَسأَلْ بَعدَه عن سَطحِها.

«السِّرَّ»: سَرَيانٌ في الباطِنِ مُمسَكٌ عن الخُروج

وأصلُ س-ر-ر جَريانٌ مُمتَدٌّ في الباطِنِ تُمسِكُه لَمسةٌ فلا يَظهَر، وتَضعيفُ الرّاءِ يُضاعِفُ ذلك الإمساك، فالسِّرُّ كَلامٌ قائِمٌ مَمنوعٌ من الخُروج، وهو غَيرُ عَدَمِ الكَلام.

و«السِّرَّ» مَعرِفةٌ كَـ«القَول» الّذي قَبلَه، فهو جِنسٌ في الشَّرطِ وجِنسٌ في الجَواب، والمُقابَلةُ بَينَ الجِنسَينِ لا بَينَ فَردَين. والسِّرُّ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه.

«وَأَخْفَى»: وَجهانِ يُعلَنانِ ولا يُحسَمُ بَينَهُما

والكَلِمةُ الأخيرةُ تَحتَمِلُ وَجهَينِ في الإعرابِ لا يُرَجَّحُ أحَدُهُما هُنا.

الأوَّل: أن تَكونَ اسماً على وَزنِ أفعَلَ لِلتَّفضيل، مَعطوفةً على «السِّرَّ» ومَنصوبةً مِثلَه، فالمَعلومُ شَيئانِ: السِّرُّ، وما هو أخفى مِنه، والعِلمُ يَتَجاوَزُ المَكتومَ إلى ما هو أشَدُّ كِتماناً منه.

والثاني: أن تَكونَ فِعلاً ماضِياً من خ-ف-ي، مَعطوفاً على «يَعلَمُ»، فالخَبَرُ فِعلانِ: يَعلَمُ، وأخفى، ويَبقى مَفعولُ الفِعلِ على هذا الوَجهِ غَيرَ مَذكور.

ولَيسَ في اللَّفظِ ما يَفصِلُ بَينَ الوَجهَين، فالرَّسمُ واحِدٌ والضَّبطُ واحِد، وكِلاهُما يَستَقيمُ في العَرَبيّة، وكِلاهُما يَقَعُ عَلَيه فاصِلةُ الآية، فيُعلَنُ الوَجهانِ ويُتَرَكانِ قائِمَين، وإعلانُ الاحتِمالاتِ خَيرٌ من تَرجيحِ أحَدِها بِغَيرِ فاصِل.


حَصيلة

شَرطٌ بِـ«إن» لا بِـ«إذا»، فالجَهرُ مَوضوعٌ احتِمالاً لا خَبَراً ولا نَهياً ولا أمراً. و ج-ه-ر ما اجتَمَعَ في الجَوفِ فأُفرِغَ بِالنَّفَسِ وجَرى بِغَيرِ ساتِر، والباءُ تُعَدّيه إلى ما يُعلَنُ بِه، و«القَولُ» مَعرِفةٌ يُرادُ بِها الجِنسُ كُلُّه، فالمَفروضُ أقصى الإعلان. ثُمَّ يَجيءُ الجَوابُ فلا يُقابِلُ الشَّرطَ بِمِثلِه، فلم يَأتِ «يَسمَعُك» وقَد كانَ الشَّرطُ في الصَّوت، ولا «يَعلَمُ ما جَهَرتَ بِه» وقَد كانَ الشَّرطُ في المُعلَن، وغادَرَ الجَوابُ مَوضِعَ الشَّرطِ إلى ما تَحتَه: «السِّرَّ»، و س-ر-ر جَريانٌ في الباطِنِ مُمسَكٌ عن الخُروج، وهو مَعرِفةٌ كَـ«القَول»، فجِنسٌ يُقابَلُ بِجِنس. ثُمَّ «وَأَخْفَى»، وفيها وَجهانِ لا يَفصِلُ بَينَهُما رَسمٌ ولا ضَبط: اسمُ تَفضيلٍ مَعطوفٌ على «السِّرَّ» فيَكونُ المَعلومُ شَيئَين، أو فِعلٌ ماضٍ مَعطوفٌ على «يَعلَمُ» فيَكونُ الخَبَرُ فِعلَين، ومَفعولُه غَيرُ مَذكور، والوَجهانِ يُعلَنانِ ولا يُحسَمُ بَينَهُما. وعَلى الوَجهَينِ مَعاً يَبقى ما تُفيدُه الآية، وهو أنَّ العِلمَ يَبتَدِئُ من حَيثُ يَنتَهي الإخفاء.