النبأ · الآية 24
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«لَّا يَذُوقُونَ»: نَفيٌ يَقَعُ على أدنى دَرَجاتِ الوُصول
لم يُقَلْ «لا يَجِدون» ولا «لا يُعطَون». قيلَ «لا يَذوقون»، والذَّوقُ أضيَقُ الأبوابِ وأقَلُّها مِقداراً.
وذ-و-ق مُلامَسةٌ دَقيقةٌ تَنعَقِدُ في الباطِنِ فيَقَعُ بِها الحُكم. لا يُدرَكُ بِه شَيءٌ من بُعد، ولا يَنوبُ فيه أحَدٌ عن أحَد، ولا يُنقَلُ خَبَراً إلى مَن لم يَذُقْ. هو أقرَبُ الحَواسِّ إلى صاحِبِها وأشَدُّها اختِصاصاً بِه.
ولِذلك كانَ نَفيُ الذَّوقِ أشَدَّ من نَفيِ العَطاء. مَن مُنِعَ العَطاءَ قد يَبقى له أن يَشُمَّ أو يَلمَس. أمّا مَن نُفِيَ عنه الذَّوقُ فقد نُفِيَ عنه أقَلُّ ما يُدرَكُ بِه الشَّيء. النَّفيُ يَنزِلُ إلى القاعِ ثُمَّ يَقِف.
«بَرْدًا وَلَا شَرَابًا»: ما يُسَكِّنُ من خارِجٍ وما يَسري في الباطِن
مَنفِيّانِ اثنان، وبَينَهُما «لا» ثانِيَةٌ تُفرِدُ كُلَّ واحِدٍ بِنَفيِه. لَو حُذِفَت لَجازَ أن يُنفَيا مَعاً ويَثبُتَ أحَدُهُما وَحدَه. فالتَّكرارُ يُغلِقُ البابَينِ كِلَيهِما.
و«البَرد» من ب-ر-د: جَريانٌ يُمسَكُ فيَسكُنُ ويَثبُت. ومنه «بَرَدَ الشَّيءُ» سَكَنَت حَرارَتُه، و«بَرَدَ غَليلُه» سَكَنَ ما كانَ يَتَحَرَّكُ فيه. فالبَردُ في الجَذرِ لَيسَ ضِدَّ الحَرِّ بِالعَدَدِ فَحَسب، بل هو سُكونُ ما كانَ يَضطَرِب. والمَنفيُّ إذن هو الهُدوءُ نَفسُه.
و«الشَّراب» من ش-ر-ب: سائِلٌ يَجري فيَنتَشِرُ في الباطِنِ ثُمَّ يَلتَصِقُ بِه فيَصيرُ مِنه. فهو لا يُلامِسُ ظاهِراً بل يَسري في الأعضاء. والأوَّلُ يُسَكِّنُ ما يُحيطُ، والثاني يَبلُغُ ما في الجَوف. سُدَّ بابُ الرّاحةِ من خارِجٍ وبابُها من داخِل.
وهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ نَفي، والنَّكِرةُ في هذا المَوضِعِ تَعُمُّ: لا نَوعَ من هذا ولا نَوعَ من ذاك. ولِذلك احتاجَ ما بَعدَها إلى «إلّا»: العُمومُ لا يُخرَجُ مِنه شَيءٌ إلّا بِأداةٍ تُخرِجُه.
حَصيلة
النَّفيُ يَقَعُ على الذَّوقِ لا على العَطاء، و«الذَّوق» في ذ-و-ق مُلامَسةٌ دَقيقةٌ تَنعَقِدُ في الباطِنِ فيَقَعُ بِها الحُكم: أضيَقُ الحَواسِّ مَدخَلاً، لا يَنوبُ فيه أحَدٌ عن أحَد. فنَفيُه نَفيٌ لِأقَلِّ ما يُدرَكُ بِه الشَّيء. ثُمَّ يُفرَدُ المَنفِيّانِ بِـ«لا» مُعادةٍ فلا يَبقى بابٌ نِصفَ مَفتوح. و«بَرداً» من ب-ر-د، جَريانٌ يُمسَكُ فيَسكُنُ ويَثبُت، فالمَنفيُّ سُكونُ ما يَضطَرِبُ لا دَرَجةٌ في مِقياس. و«شَراباً» من ش-ر-ب، سائِلٌ يَجري فيَنتَشِرُ في الباطِنِ ثُمَّ يَلتَصِقُ بِه فيَصيرُ مِنه. فأحَدُهُما يُسَكِّنُ ما يُحيط، والآخَرُ يَبلُغُ ما في الجَوف، وقد سُدَّ البابانِ مَعاً. وهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفيِ فتَعُمّان، ولِذلك لَزِمَ ما بَعدَهُما أن يَجيءَ بِأداةِ استِثناء.